أو سوء القصد وفساد النية وخبث السريرة وهذه الأعمال والصفات هى الأصل فى الشقاوة وعليها مدار الحساب والجزاء ولو لا أن للأعمال البدنية آثارا فى النفس تزكيها أو تدسيها ، لما آخذ الله تعالى فى الآخرة أحدا عليها ، لأنه تعالى لا يعاقب الناس حبا فى الانتقام ولا يظلم نفسا شيئا ولكنه جعل سنته فى الانسان أن يرتقى أو يتسفل نفسا وعقلا بالعمل. فلهذا كان العمل مجزيا عليه فى الآخرة فان أثره فى النفس هو متعلق الجزاء.
(ثالثها) أن الخواطر السانحة والوساوس العارضة وحديث النفس الذى لا يصل إلى درجة القصد الثابت والعزم الراسخ لا يدخل فى مفهوم الآية كما قال المحققون واختاره الأستاذ الامام كما تقدم لأن ما ذكر غير ثابت ولا مستقر وقوله (فِي أَنْفُسِكُمْ) يفيد الثبات والاستقرار. وإنما كان هذا وجها لابطال النسخ لأنه إذا ثبت أن ما ذكر داخل فى الآية فلقائل أن يقول إن الآية خبر يفيد النهى عن هذه الخواطر والوساوس فى المعنى ، فهو من تكليف ما لا يطاق فيجب أن يكون قوله بعده. (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) ناسخا له. وبهذا تعلم أن حديث التجاوز عن حديث النفس لا ينافى الآية ولا يصلح دعامة للقول بنسخها.
(رابعها) أن تكليف ما ليس فى الوسع ينافى الحكمة الالهية البالغة والرحمة الربانية السابغة ، فهو لم يقع فيقال إن الآية منه ونسخت بما بعده.
(خامسها) المعقول فى النسخ أن يشرع حكم يوافق مصلحة المكلفين ثم يأتى زمن أو تطرأ حال يكون ذلك الحكم فيه مخالفا للمصلحة وكون ما فى النفس يحاسب عليه من الحقائق التى لا تختلف باختلاف الأزمنة والأحوال.
فان قيل : إذا كان معنى الآية ما ذكرت فلماذا قال الصحابة فيها ما قالوا؟
أقول : إن الصحابة عليهم الرضوان قد دخلوا فى الاسلام وأكثرهم رجال قد تربوا فى حجر الجاهلية وانطبعت فى نفوسهم قبله أخلاقها وأثرت فى قلوبهم عاداتها فكانوا يتزكون منها ويتطهرون من لوثها تدريجا بزيادة الايمان ، كلما نزل شىء من القرآن وباتباع الرسول ، فيما يفعل ويقول ، فلما نزلت هذه الآية خافوا أن يؤاخذوا على ما كان لا يزال باقيا فى أنفسهم من أثر التربية الجاهلية الأولى وناهيك بما
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
