على أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأتوا رسول الله (ص) ثم جثوا على الركب فقالوا يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة. وقد أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم : سمعنا وعصينا؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله فى أثرها. (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) الآية. فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) إلى آخرها» وأخرج أحمد ومسلم والترمذى والنسائى من حديث ابن عباس نحوه. وأخرج البخارى والبيهقى عن مروان الأصفر عن رجل من الصحابة أحسبه ابن عمر (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ) الآية قال نسخها ما بعدها. واحتجوا للنسخ بحديث أبى هريرة فى الصحيحين والسنن «إن الله تجاوز لى عن أمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به».
وأقول : ليس فى هذه الروايات أن النبى صلىاللهعليهوسلم صرح بأن الآية منسوخة وإنما قصاراها أن بعض الصحابة فهم أنها نسخت والروايات عنهم فى ذلك مختلفة والقول بالنسخ ممنوع من وجوه (أحدها) أن قوله تعالى (يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ) خبر والأخبار لا تنسخ كما هو معروف فى علم الأصول.
(ثانيها) أن كسب القلب وعمله مما دل الكتاب والسنة والاجماع والقياس على ثبوته والجزاء عليه ظهر أثره على الجوارح أم لم يظهر ، وهو ما دلت عليه الآية فالقول بنسخها إبطال للشريعة ونسخ للدين كله أو إثبات لكونه دينا جثمانيا ماديا لا حظ للأرواح والقلوب منه ـ قال تعالى (٢ : ٢٢٥ لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) وقال (١٧ : ٣٦ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) وقال (٢٤ : ١٩ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) والحب من أعمال القلب الثابتة فى النفس. فقوله تعالى (ما فِي أَنْفُسِكُمْ) معناه ما ثبت واستقر فى أنفسكم كما تقدم ويدخل فيه الكفر والأخلاق الراسخة والصفات الثابتة من الحب والبغض فى الجور وكتمان الشهادة وقصد السوء
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
