ذهب الجمهور الى أن الأمر بكتابة الدين للندب واستدلوا بثلاثة أمور. أحدها قوله تعالى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ) فانه أجاز ذلك باقرارهم عليه وهو يستلزم عدم الكتابة والاستشهاد. والثانى كون المسلمين لم يلتزموا الكتابة والاستشهاد فى العصر الأول ولا فيما بعده بل كانوا يأتونه تارة ويتركونه تارة ، ولو فهموا أنه واجب لالتزموه. أقول : وجعل الرازى هذا الترك من المسلمين فى جميع ديار الاسلام إجماعا وما هو من الاجماع فى شىء : والثالث ان فى الكتابة حرجا وهو منفى بالنص.
وذهب أقوام الى أن الأمر للوجوب وبه قال عطاء والشعبى وابن جرير فى تفسيره وهو الأصل فى الأمر عند الجمهور. وقد تتابعت الاوامر فى الآية وتأكدت حتى فى حال السفه والضعف والعجز فقد أمر ولى من عليه الحق من هؤلاء بأن يملى عنه للكاتب ولم يعفهم من الكتابة. ومثل هذا التأكيد لا يكون فى غير الواجب ويؤيده التعليل بكون ذلك أقسط عند الله الخ قالوا أما قوله تعالى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) الخ فهو محمول على حال الضرورة كالاوقات التى لا يوجد فيها كاتب ولا شهود ، فاذا احتاج امرؤ الى اقتراض من أخيه فى مثل هذه الحال فان الله تعالى لا يحرم عليه قضاء حاجته وسد خلته إذا هو ائتمنه أقول وتقدم لنا أن الآية فى الأمانة على الاطلاق فاذا دخل فى عمومها ما ذكر من الائتمان على الثمن عند فقد الكاتب فلا يجعل دليلا على ترك الواجب ـ وهو الكتابة ـ فى كل حال وقال ابن جرير بعد أن بين الرخصة فى اقامة الرهن مقام الكتابة عند فقد الكاتب : لوجب ان يكون قوله (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ) الخ ناسخا قوله (إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) الخ. لوجب ان يكون قوله (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) ناسخا للوضوء بالماء فى الحضر والسفر : الخ.
قالوا : واما دعوى تعامل أهل الصدر الأول وغيرهم من المسلمين بغير كتابة ولا اشهاد فهى على إطلاقها باطلة فانه لم يؤثر عن الصحابة الذين يحتج بمعاملاتهم ولا عن التابعين شىء صحيح يؤيد هذه الدعوى ، وإنما اغتر هؤلاء القائلون من الفقهاء بعدم
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
