يؤدى الامانة الى من ائتمنه وليتق الله ربه فلا يتخون من الامانة شيئا أنه لا حجة عليه بها ولا شهيد فان الله ربه خير الشاهدين فهو أولى بأن يتقى ويطاع.
١٦ ـ (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) النهى عن كتمان الشهادة بعد النهى عن إباء تحملها على أحد الوجوه فى قوله (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا) تأكيد كتأكيد أمر الكاتب بأن يكتب بعد نهيه عن الاباء فقد أمر الله الكتاب والشهود بأن يعينوا الناس على حفظ أموالهم وحرم عليهم ان يقصروا فى ذلك كما حرم على أرباب الاموال أن يضاروهم فلا بد من الجمع بين مصلحة الجميع ولما كان الذى يدرك الوقائع التى شهد بها ويعيها هو القلب وهو لب الانسان وآلة عقله وشعوره كان كتمان الشهادة عبارة عن حبس ذلك فيه ولذلك جعله هو الآثم أى هو موضع الاثم فى هذا الكتمان وحده والا فهو مصدر كل اثم. وهذا يدفع ما يزعمه الجاهلون من ان الاثم لا يكون إلا بعمل الجوارح وحركات الاعضاء الظاهرة. وما قال تعالى (١٧ : ٣٦ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) الا لأن للفؤاد أى القلب أو النفس أعمالا خاصة به وأعمالا يزعج الجوارح اليها ، فأضيف اليه ما هو خاص به وأسند الباقى الى مظهره من السمع والبصر فى هذه الآية ، ومن الايدى والارجل فى نصوص أخرى. ومن آثام القلب سوء القصد وفساد النية وهى شر الذنوب والآثام ، ودلت الآية على أن الانسان يؤاخذ على ترك المعروف كما يؤاخذ على فعل المنكر ، لأن الترك فى الحقيقة فعل للنفس يعبر عنه بالكتم والكتمان فى مثل الشهادة ، وبالكف فى غيرها ولكل مقام مقال فكل ذلك يعد فى الحقيقة فعلا وعملا. ولذلك قال (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وفى هذا من الوعيد ما مر بيان مثله.
هذا وان الاحكام فى الآيتين على كونها أظهر من الشمس معنى وعلة وحكمة قد وقع فيهما خلاف أشرنا إلى بعضه وقد بسط الاستاذ الامام القول فى مسألة وجوب كتابة الدين ولم يكد يزد على ما قال المفسرون فى غير ذلك من مواقع الخلاف شيئا فلا بد من بيان ما اختلف وتحقيق الحق فيه على النسق الذى أورده فى الدرس مع بيان رأيه رحمهالله تعالى.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
