وجوب الكتابة والاشهاد بمعاملات أهل عصرهم ، فجعلوا ذلك عاما ولم يرووا عن الصحابة فيه شيئا صحيحا واقعا بالفعل. وأما قولهم ان فى ذلك ضيقا وحرجا فجوابه ان هذا الضيق والحرج فى بادى الرأى هو عين السهولة والسعة واليسر فى حقيقة الأمر فان التعامل الذى لا يكتب ولا يستشهد عليه يترتب عليه مفاسد كثيرة منها ما يكون عن عمد إذا كان أحد المتداينين ضعيف الأمانة فيدعى بعد طول الزمن خلاف الواقع ومنها ما يكون عن خطأ ونسيان فاذا ارتاب المتعاملان واختلفا ولا شىء يرجع اليه فى إزالة الريبة ورفع الخلاف من كتابة أو شهود أساء كل منهما الظن بالآخر ولم يسهل عليه الرجوع عن اعتقاده إلى قول لخصمه فلج فى خصامه وعدائه وكان وراء ذلك من شرور المنازعات ما يرهقهما عسرا ويرميهما بأشد الحرج وربما ارتكبا فى ذلك محارم كثيرة.
هكذا أوضح الاستاذ الامام رأى القائلين بأن هذا الأمر للوجوب وهو المختار عنده. ومما قال فى رد قولهم : إن هذا من الحرج المرفوع : كيف يكون هذا حرجا وهو مما لا يقع إلا قليلا لبعض المكلفين ، ولا يكون الوضوء حرجا وهو مما يجب على كل مكلف كل يوم يصلى فيه خمس مرات ، فما كل ما يتكرر يكون حرجا : يعنى انه لا حرج فى هذا ولا ذاك كما سيأتى عنه. وأقول : ليس المراد بالحرج والعسر المنفيين بالنص أنه لا مشقة ولا كلفة فى شىء من التكاليف الشرعيه بل المراد أنه لا شىء منها للاعنات وتجشيم المشاق والايقاع فى العسر والحرج وانما لكل حكم منها فائدة أو فوائد ترفع الحرج والعسر ويصلح بها أمر الناس فى أنفسهم وفى شؤنهم الاجتماعية فهى كسائر الاعمال التى عرف الناس فوائدها بالضرورة أو الاختبار والاستدلال فهم يعملونها وإن كان فيها مشقة ما طلبا لفوائدها التى هى أرجح وأجدر بالايثار. ثم ان وراء هذه المصلحة الخاصة فى كتابة الدين مصلحة عامة وهى جعل المسلمين أمة كتاب ونظام الاسلام بدأ بالعرب وهى أمة أمية وقد امتن عليها بالرسول الذى علمها الكتاب والحكمة ففرض كتابه الدين عليهم هو من وسائل إخراجهم من الأمية.
وقال الاستاذ الامام : هبوا أن هذه الأوامر المؤكدة للندب فهل ينبغى ان
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
