الذين يلبسون لباس الصلاح دعوى العلم بالله وفهم القرآن والحديث ومعرفة أسرار الشريعة من غير أن يكونوا قد تعلموا من ذلك شيئا والعامة تسلم لهم بهذه الدعوى وتصدق قولهم ان الله هو الذى تولى تعليمهم ويسمون علمهم هذا بالعلم اللدنى. ويرد استدلالهم بالآية على ذلك من وجهين. أحدهما انه لا يرضى به سيبويه وله الحق فى ذلك لأن عطف (يُعَلِّمُكُمُ) على (اتَّقُوا اللهَ) ينافى أن يكون جزاء له ومرتبا عليه لان العطف يقتضى المغايرة. ولو قال (يُعَلِّمُكُمُ) بالجزم لكان مفيدا لما قالوه وكذلك لو كان العطف بالفاء أو اتصل بالفعل لام التعليل. والثانى أن قولهم هذا عبارة عن جعل المسبب سببا والفرع أصلا والنتيجة مقدمة. فان المعروف المعقول أن العلم هو الذى يثمر التقوى فلا تقوى بلا علم فالعلم هو الأصل الأول ، وعليه المعول. وبعد أن أطال بعض الاطالة فى بيان تأثير العلم فى الارادة بتوجيهها الى العمل الصالح وصرفها عن العمل القبيح ـ وتلك هى التقوى ـ قال إننا لا ننكر العلم الذى يسمونه لدنيا وإنما تنكر أن يكون غاية لذلك الطريق الجائر الذى يشترط فيه الجهل ونقول إن العلم بالله تعالى والعلم بالشرع والعمل به مع الاخلاص قد يصرف العالم العامل المخلص الى الله تعالى حتى يكون كالمنفصل بقلبه وروحه عن العالم الطبيعى وقد يحصل له عند ذلك اشراف على ما لا يشرف عليه غيره يعنى من أسرار الحكمة الالهية والتحقق ببعض المعارف الغيبية فيعلم مما قصه الله علينا من خبر الآخرة والملائكة ما لا يعلمه كل ناظر فى معانى الالفاظ والأساليب فى الكتاب وأين هذا مما يدعيه أعوان الجهل وأعداء العلم.
وأقول : إنهم يستدلون على زعمهم ذاك بآية أخرى توهم بعض من كتب فى التفسير أنها بمعنى ما قالوه هنا وهى قوله تعالى (٨ : ٢٩ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) الآية وهو غلط. فسر بعض أهل الاثر الفرقان هنا بالمخرج ، فالشرطية عنده كالشرطية فى قوله تعالى فى سورة الطلاق (٦٥ : ٢ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) وبعضهم بالنجاة وبعضهم بالنصر. قال ابن جرير وكل ذلك متقارب المعنى وان اختلفت العبارات : وهو كما قال فان الآية فى سورة الانفال ومعظمها يتعلق بحال المسلمين قبل واقعة بدر ، وكانوا فى ضيق شديد كان الخروج منه بانجائهم من عدوهم ونصرهم عليه ، وما نصروا على
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
