الكاتب والشهداء من الشروط التى تستلزم نفى المضارة فبقى أن يؤمر المتعاملون بعدم مضارة الكتاب والشهداء بالزامهم بترك منافعهم لاجل الكتابة والشهادة أو بتحميلهم المشقة فى ذلك بلا عوض. فالمتبادر من النهى أنه عن مضارة المتعاملين للكاتب والشهيد. وإذا قيل بأنها ترشد إلى إعطائهما أجرة ما يحملان من الكلفة لم يكن ببعيد ، ومقتضى مذهب الشافعية فى جواز استعمال المشترك فى معنييه واللفظ فى حقيقته ومجازه : أنه يجوز أن يراد بيضار البناء للفاعل وللمفعول معا لانه من قبيل الاول ، واستعمل يضار الدال على المشاركة للاشارة إلى أن ضر الانسان لغيره ضر لنفسه والله أعلم (وَإِنْ تَفْعَلُوا) ما نهيتم عنه من اضرار الكاتب والشهيد (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) أى فان هذا الفعل خروج بكم عن حدود طاعة الله تعالى إلى معصيته وأشير بقوله (وَإِنْ) إلى أن مثل هذا الفعل الذى يتحقق به الفسق لا يكاد يقع من المخاطبين ، وهم الذين آمنوا. لان من شأن الايمان أن يمنع منه.
ثم ختم الآية بالموعظة العامة التى تعين النفس على الامتثال فى جميع الاعمال وذلك قوله عزوجل (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي اتقوا الله فى جميع ما أمركم به ونهاكم عنه وهو يعلمكم ما فيه قيام مصالحكم وحفظ أموالكم وتقوية رابطتكم فانكم لو لا هدايته لا تعلمون ذلك. وهو سبحانه العليم بكل شىء فاذا شرع شيئا فانما يشرعه عن علم محيط بأسباب درء المفاسد وجلب المصالح لمن تبع شرعه. وكرر لفظ الجلالة لكمال التذكير وقوة التأثير. وقال البيضاوى كرر لفظ الله فى الجمل الثلاث لاستقلالها ، فان الاولى حث على التقوى والثانية وعد بانعامه والثالثة تعظيم بشأنه ولانه أدخل فى التعظيم من الكناية : وهذا مبنى على أن الثانية جملة مستأنفة وقيل هى جملة حالية.
قال الاستاذ الامام : اشتهر على ألسنة المدعين للتصوف فى معنى هاتين الجملتين (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ) أن التقوى تكون سببا للعلم وبنوا على ذلك أن سلوك طريقتهم وما يأتونه فيها من الرياضة وتلاوة الاوراد والاحزاب تثمر لهم العلوم الالهية وعلم النفس وغير ذلك من العلوم بدون تعلم. وهذا الزعم فتح للجاهلين
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
