قلتهم إلا بتقوى الله التى جمعت كلمتهم وقوت عزيمتهم. والتقوى تكون سبب الفرقان والمخرج فى كل شىء بحسبه ، لانها عبارة عن اتقاء أسباب الضرر والخذلان فى النفس وفى الخارج ولذلك يفسر المخرج فى آية سورة الطلاق وهى فى مقام الانفاق على النساء بما لا يفسر به فى سورة الانفال وهى فى مقام المدافعة والقتال لحماية الدعوة وأهلها.
هذا وان الفرقان فى اللغة هو الصبح الذى يفرق بين الليل والنهار ويسمى القرآن فرقانا لأنه كالصبح يفرق بين الحق والباطل وتقوى الله تعالى فى الأمور كلها تعطى صاحبها نورا يفرق به بين دقائق الشبهات التى لا يعلمهن كثير من الناس فهى تفيده علما خاصا لم يكن ليهتدى اليه لولاها. وهذا العلم هو غير العلم الذى يتوقف على التلقين كالشرع أصوله وفروعه ، وهو ما لا تتحقق التقوى بدونه لأنها عبارة عن العمل فعلا وتركا بعلم. فالعلم الذى هو أصل التقوى وسببها لا يكون إلا بالتعلم كما ورد فى الحديث «العلم بالتعلم» (١).
والعلم الذى هو فرعها وثمرتها هو ما تفطن له النفس بعد فيفيدها الرسوخ فى العلم الأول بالعمل به ، فان العلم يكون فى النفس مجملا مبهما حتى يعمل به فاذا عمل به صار مفصلا جليا راسخا تتبين به الدقائق والخفايا. وبذلك تفطن نفس العامل الى مسائل أخرى تطلبها بالتجربة والبحث حتى تصل اليها كما يعرف كل واقف على ترقى العلوم الطبيعية فى الأنفس والأشياء وهو المشار اليه بحديث «ومن تعلم فعمل علمه الله ما لم يعلم» رواه أبو الشيخ عن ابن عباس وحديث «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» رواه أبو نعيم فى الحلية من حديث أنس. واذا علمت
__________________
(١) جزم البخارى بتعليقه وروى عن غير واحد من الصحابة من عدة طرق رواه الدارقطنى فى الافراد والعلل والخطيب فى التاريخ من حديث أبى هريرة والعسكرى من حديث أنس والطبرانى فى الكبير من حديث معاوية قال الحافظ ابن حجر : اسناد حديث معاوية حسن لأن فيه مبهما اعتضد بمجيئه من وجه آخر والبيهقى فى المدخل والعسكرى فى الامثال من حديث ابن مسعود والطبرانى والدارقطنى من حديث أبى الدرداء.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
