بأن هذا محال ولقوله تعالى (ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) وقالت العرب : اني جائع في بطن غيري وعريان في ظهر غيري : ويدخل في هذا الاسلوب أيضا مثل قوله تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً) أى يعطي عباده المحتاجين ، والله يكافئه عنهم اذ كانوا عاجزين.
وثم وجه آخر في تفسير (لِنَعْلَمَ) وهو ان المراد بالعلم في مثل هذا علم الظهور والوقوع. ذلك أن الله تعالى يعلم الاشياء قبل وقوعها أنها ستقع لا أنها واقعة ، ويعلمها بعد وقوعها أنها وقعت ، والجزاء يترتب على ما وقع بالفعل ، فقوله هنا (لِنَعْلَمَ) يراد به الثاني أي لنعلم علم وقوع ووجود يترتب عليه الثواب والعقاب ، وليس معناه أنه تجدد له علم لم يكن وانما التجدد في المعلوم لا في نفس العلم ، أي أن المعلوم لم يكن موجودا ثم وجد وظهر كله قال : وما جعلنا القبلة جهة بيت المقدس الا لنحولها ونمتحن المؤمنين بالتحويل ليظهر ما ثبت في العلم القديم من اتباع بعض الناس للرسول واستقامتهم على هدايته ، وانقلاب بعضهم على عقبيه واظهاره ما أكنه في نفسه من الريب ، وبذلك يمتاز المهتدون من الضالين ، وتقوم الحجة للمؤمنين على الكافرين. ومعنى الانقلاب على العقبين هو الانصراف عن الشىء بالرجوع الى الوراء وهو طريق العقبين ، فالمنقلبون قد خرجوا من عداد المؤمنين وعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر. ويقال رجع على عقبيه ونكص على عقبيه وأبلغها انقلب على عقبيه لما فيها من الاشعار بأنه رجع عن خير الى شر أو من سوء الى اسوأ.
قال الاستاذ الامام : ومن قبيل استعمال العلم في متعلقه وما يصدق عليه قوله تعالى (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي) الآية وقوله (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) فالمراد من الكلمات هنا الموجودات كلها عبر عنها بذلك لان كل موجود منها وجد بكلمة الله (كن) ا ه أقول : والمختار عندي التعبير عن علمه تعالى بالشيء قبل وجوده بعلم الغيب وبعد وجوده بعلم الشهادة كما قلت آنفا ، وان كلمات الله في الآيتين الاخيرتين كلمات التكوين أنفسها لا متعلقاتها التى هي الموجودات ، فعلم الله قسمان : غيب وشهادة. وكلماته قسمان : تشريع وتكوين
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)