المراد منها. كذلك القبلة ليس في جعل جهة كذا قبلة فتنة واختبار للناس ، وانما الفتنة فيما ترتب على ذلك من حيث كونه صرفا عن قبلة الى غيرها ، فالسفهاء والجهال الذين لا يفقهون ينكرون هذا التحويل ويرونه امرا إدّا ، والذين هداهم الله الى فقه ذلك يرونه أمرا حكيما جدّا ، ولذلك قال تعالى (وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) فمنحهم الاعتدال في الفكر والادراك وفي الميل والرغبة قاله الاستاذ الامام.
ثم قال ما مثاله موضحا : قوله تعالى (لِنَعْلَمَ) معهود فى القرآن كثيرا ، ومثله (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) وقوله (لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ) والعقل والنقل متفقان على أن علمه تعالى قديم لا يتجدد ، وللمفسرين في هذه الالفاظ أقوال ذكر الاستاذ الامام أظهرها فقال ما مثاله : جرت عادة العرب في لغتها أن تنسب الى الرئيس والكبير ما يحدث بأمره وتدبيره ، يقولون فتح الامير البلد وقاتل الجيش. وكثيرا ما يقولون هذا والامير ليس واحدا من العاملين ، فهو أسلوب معهود إذا أريد إسناد الفعل الى الجمهور أسندوه الى المقدم فيهم. ولما كان الله تعالى ولي الذين آمنوا وخاطبهم خطاب السيد صح بحسب هذا الاسلوب العربي أن يذكر الفعل بصيغة الجمع التي تشمل المتكلم وغيره وان كان غيره هو المقصود بالفعل ، فمعنى (الا لنعلم) الا ليعلم عبادي المؤمنون باعلامي اياهم. وقد علم المؤمنون في هذه الفتنة من هو الثابت على اتباع الرسول صلىاللهعليهوسلم ومن هو المنافق الذي قلبته ريح الشبهة على عقبيه ، وكان المنافقون مع المؤمنين بحيث لا يماز أحدهم من الآخر لقيامهم جميعا باداء الاعمال الظاهرة المطلوبة. وهكذا كان سبحانه وتعالى يمحص ما في القلوب بما يبتلي به الناس من الفتن (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) وعلى هذا الاسلوب جاء ما روي في الحديث القدسي «يا عبدي مرضت فلم تعدني ، وجعت فلم تطعمني ، وعطشت فلم تسقني» خرجوه على أن المراد مرض عبادي الفقراء الذين هم عيال الله (١) فلم تعدهم الخ نعم ان الرواية غير صحيحة ولكن لم يفهم أحد منها أنها على ظاهرها لقطع العقل
__________________
(١) اخذ الاستاذ هذا التفسير من الحديث المشتهر «الفقراء عيال الله» الخ وانما الرواية «الخلق عيال الله» وهو ضعيف السند.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)