ثم قال جل شأنه (وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً) أي وان القبلة أو قصتها في نسخها والتحول عنها لكبيرة الشأن شديدة الوقع فيما كان من أمر الناس ـ أو ما كانت إلا كبيرة يشق التحول عنها (إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) أي هداهم الى المعرفة به والعلم بحكم شرعه ، فعقلوا ان التعبد بها إنما يكون بطاعة الله بها لا بسر في ذاتها أو مكانها ، وان حكمتها اجتماع الامة عليها الذي هو من أسباب اتحادهم وجمع كلمتهم.
(وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) أقول : أي وما كان من شأن الله في حكمته ورحمته ان يضيع إيمانكم الباعث لكم على اتباع الرسول في الصلاة والقبلة ، فلو كان نسخ القبلة مما يضيع الايمان بنقضه أو نقصه أو فوت ثواب ما كان قبله لما نسخها ، أكثر المفسرين ومنهم الجلال على أن المراد بالايمان هنا الصلاة إذ ورد ان بعض المؤمنين أحبوا أن يعرفوا حال صلاتهم قبل التحويل أو صلاة من مات ولم يصل الى الكعبة ، فاراد الله ان يبين لهم انه يتقبل من الصلاة ما كان أثر الايمان الخالص ، أي متى كنتم تصلون إيمانا واحتسابا لا رياء ولا سمعة ، فصلاتكم مقبولة لانها أثر الايمان الراسخ في القلب ، المصلح للنفس ، فتسمية الصلاة على هذا إيمانا ليس لانها أعظم أركان الدين بل للاشارة الى ان مزيتها في منشئها الباعث عليها من الايمان والاخلاص ، ولذلك يقرن الايمان دائما بذكر الصلاة والزكاة : فالصلاة آية الايمان القلبية الخفية لأنها لا تكون آية الا باخلاص القلب ، والزكاة هي الدليل الحسي الظاهر عليه. وقد يغش الجاهل نفسه بالصلاة فيتوهم انه اقامها كما أمر الله إذا أدى هذه الاعمال الظاهرة التي هي صورتها ، وان كانت هذه الصورة خالية من روح الاخلاص والتوجه القلبي الى الله تعالى ، ولكن الزكاة آية حسية على الايمان ، لا يقدر ان يغش نفسه بها إنسان ، فليحاسب مؤمن بالله وكتابه نفسه.
وقال الاستاذ الامام : ان سياق الآية بل الآيات يدل على أن الايمان هنا مستعمل في معناه فانه لما بين أمر الفتنة في تحويل القبلة وبين ان من الناس من ينقلب الى الكفر ويترك الايمان ، ومنهم من يثبت على ايمانه عالما ان الاعتماد في مثل مسئلة القبلة على اتباع الرسول ، لان الجهات في نفسها متساوية لا فضل لجهة منها على جهة ،
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)