وهذه المياه التي يتغذى بها النبات والحيوان على سطح هذه اليابسة كلها من المطر ، ولا يستثنى من ذلك أرض مصر فيقال ان حياتها بماء النيل دون المطر فان مياه الانهار والعيون التي تنبع من الارض كلها من المطر فهو يتخلل الارض فيجتمع فيندفع. وقد امتن الله تعالى بذلك علينا وأرشدنا الى آيته فيه بقوله (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ) الاية. فالبحيرات التي هي ينابيع النيل من ماء المطر والزيادة التي تكون فيه أيام الفيضان هي من المطر الذي يمد هذه الينابيع ويمد النهر نفسه في مجراه من بلاد السودان ، وكثرة الفيضان وقلته تابعة لكثرة المطر السنوي وقلته هناك
هذا هو الماء في كونه مطرا وفي كونه سببا للحياة وهو آية في كيفية وجوده وتكونه فانه يجري في ذلك على سنة إلهية حكيمه تدل على الوحدة والرحمة ، ثم انه آية في تأثيره في العوالم الحية أيضا ، فان هذا النبات يسقى بماء واحد هو مصدر حياته ، ثم هو مختلف في ألوانه وطعومه وروائحه ، فتجد في الارض الواحدة نبتة الحنظل مع نبتة البطيخ ، متشابهتين في الصورة متضادتين في الطعم ، وتجد النخلة وتمرها ما تذوق حلاوة ولذة ، وتجد في جانبها شجرة الليمون الحامض والنارنج وثمرها ما تعرف حموضة وملوحة ، وتجد بالقرب منهما شجرة الورد لها من الرائحة ما ليس للنخلة وما يخالف في أريجه زهر النارنج ، بل يوجد في الشجر ماله زهر ذكي الرائحة ، فاذا قطعت الغصن الذي فيه هذا الزهر تنبعث منه رائحة خبيثة ـ فتلك السنن التي يتكون بها المطر وينزل جارية بنظام واحد دقيق ، وكذلك طرق تغذي النبات بالماء هي جارية بنظام واحد ، فوحدة النظام وعدم الخلل فيه تدل على ان مصدره واحد ، فهو من هذه الجهة يدل على الوحدانية الكاملة ، ومن جهة ما للخلق فيه من المنافع والمرافق يدل على الرحمة الالهية الشاملة. وقل مثل هذا فيما بث الله تعالى في الارض من كل دابة ، فانها آيات على الوحدة ، ودلائل وجودية على عموم الرحمة.
الجنس السادس قوله تعالى (وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ) ذكر آية الرياح بعد آية المطر للتناسب بينهما وتذكيرا بالسبب ، فان الرياح هي التي تثير السحاب
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)