وقد وصف الله تعالى هذا الجنس من آياته باعظم آثاره فقال (فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) أي أوجد بسببه الحياة في الارض الميته بخلوها من صفات الاحياء كالنمو والتغذي والنتاج ، وبث أي نشر وفرق في ارجائها من جميع أنواع الاحياء التي تدب عليها وهي لا تعد ولا تحصى ، فبالماء حدثت حياة الارض بالنبات وبه استعدت لظهور أنواع الحيوان فيها. وهل المراد لاحياء الاول وما تلاه من تولد الحيوانات المعبر عنها بكل دابة أو هو ما يشاهد من آحاد الأحياء التي تتولد دائما في جميع بقاع الارض؟ الظاهر أن المراد أولا وبالذات الاحياء الاول المشار اليه بقوله تعالى في آية أخرى (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) فهو يذكر جعل كل شيء حيا بالماء ، في إثر ذكر انفصال الارض من السماء ، وذلك ان مجموع السموات والارض كان رتقا أي مادة واحدة متصلا بعض أجزائها ببعض على كونه ذرات غازية كالدخان كما قال في آية التكوين (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) ولما كان ذلك الفتق في الاجرام انفصل جرم الارض عن جرم الشمس وصارت الارض قطعة مستقلة مائرة ملتهمة وكانت مادة الماء ـ وهي ما يسميه علماء التحليل والتركيب (علم الكيمياء) بالاكسجين والهدروجين ـ تتبخر من الارض بما فيها من الحرارة فتلاقي في الجوبرودة تجعلها ماء فينزل على الارض كما وصفنا آنفا فيبرد من حرارتها ، وما زال كذلك حتى صارت الارض كلها ماء وتكونت بعد ذلك اليابسة فيه وخرج النبات والحيوان وكل شيء حي من الماء ، فهذا هو الاحياء الاول.
وأما الإحياء المستمر المشاهد في كل بقاع الارض دائما فهو المشار اليه بمثل قوله تعالى (وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) وذلك اننا نرى كل أرض لا ينزل فيها المطر ولا تجري فيها المياه من الاراضي الممطورة لا في ظاهرها ولا في باطنها خالية من النبات والحيوان إلا أن يدخلها من أرض مجاورة لها ثم يعود منها. فحياة الأحياء في الارض انما هي بالماء سواء في ذلك الإحياء الاول عند تكوين العوالم الحية وايجاد أصول الانواع ، والإحياء المتجدد في أشخاص هذه الانواع وجزئياتها التي تتولد وتنمي كل يوم.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)