وتسوقه في الجو الى حيث يتحلل بخاره فيكون مطرا كما تقدم آنفا في آية (اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ) وتصريف الرياح تدبيرها وتوجيهها على حسب الارادة ووفق الحكمة والنظام ، فهي تهب في الاغلب من احدى الجهات الاربع وتارة تأتي نكباء بين بين ، وقد تكون متناوحة ، أي تهب من كل ناحية ، ومنها العقيم ، ومنها الملقحة للنبات وللسحاب واذا هبت حارة في بعض الاماكن والاوقات فهي تهب عقب ذلك لطيفة الحرارة أو باردة ، وكل ذلك يجري على سنة حكيمة تدل على وحدة مصدرها ، ورحمة مدبرها (١).
الجنس السابع قوله تعالى (وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أي الغيم المذلل المسحوب في الجواء لا نزال المطر في البلاد المختلفة. ذكر السحاب هما بعد ذكر تصريف الرياح لانها هي التي تثيره وتجمعه وهي التي تسوقه الى حيث يمطر وتفرق شمله أحيانا فيمتنع المطر ، ولم يذكره عند ذكر الماء مع انه سببه المباشر ليرشدنا الى أنه في نفسه آية ، فانه يتكون بنظام ويعترض بين السماء والارض بنظام ، فهو في ظاهره آية تدهش الناظر الجاهل بالسبب لو لم يألف ذلك ويأنس به ، وانما يعرفها حق معرفتها من وقف على السنن الالهية في اجتماع الاجسام اللطيفة وافتراقها ، وعلوها وهبوطها ، وهو ما يعبر عنه علماء هذا الشان بالجاذبية ، وهي أنواع منها جاذبية الثقل والجاذبية العامة وجاذبية الملاصقة وغيرها ، ومن لا يعرف أسرار هذه الكائنات ، وانما ينظر الى ظواهرها فيراها كما تراها العجماوات ، فهو لا يفهم معنى كونها آيات ، لانه أهمل آلة الفهم التي امتاز بها وهي العقل ، ولذلك اخبر الله تعالى عن هذه الاجناس كلها ان فيها (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فانهم هم الذين ينظرون في أسبابها ، ويدركون حكمها وأسرارها ، ويميزون بين منافعها ومضارها ، ويستدلون بما فيها من الاتقان والاحكام ، والسنن التي قام بها النظام ، على قدرة مبدعها وحكمته ، وفضله ورحمته ، وعلى استحقاقه للعبادة دون غيره من بريته ، وبقدر ارتقاء العقل في العلم والعرفان ، يكمل التوحيد في الايمان ، وانما يشرك بالله أقل الناس عقلا ، وأكثرهم جهلا (١).
أليس أكبر خذلان للدين وجناية عليه أن لا ينظر المنتسبون اليه في آياته
__________________
(١) قد فصلنا الكلام فى الهواء والرياح والماء والمطر فى (ص ٤٨٢ ج ٨) فراجعه.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)