ومعظم ما نزل بمكة آيات وبراهين عليه ، فكيف نسلم أن ما نراه في التنزيل المدني من آيتين متصلتين إحداهما في التوحيد والاخرى في دليله قد كان من الفصل بينهما أن نزل الدليل بعد المدلول بزمن طويل وسبب متأخر؟
قال الاستاذ الامام بعد بيان اتصال الآية بما قبلها وتقرير معناها : ومن هنا يظهر انها لا يصح أن تكون جوابا للذين قالوا : انسب لنا ربك ، أو : صف لنا ربك. لان هذا السؤال انما يصدر عمن لا يعرف شيئا من صفات هذا الرب العظيم ـ أو ممن يبغي أن يعرف مقدار علم المسؤول بهذه الصفات ـ ويجب أن يكون جوابه بذكر جميع ما يجب اعتقاده من التنزيه والصفات الثبوتية ، ولم يذكر في الآية الا الوحدة والرحمة ، وترك ذكر العلم والحكمة والارادة والقدرة ، وهي صفات لا تعقل الالوهية إلا بها ، وسببه أن أولئك الكفار لم يكونوا يكتمونها ولا يشركون مع الله أحدا فيها وانما أشركوا في الالوهية بعبادة غير الله تعالى بالدعاء والنذور والقراببن ويستلزم هذا عدم اكتفائهم برحمته. وقال شيخنا في تعليله : ان الاكتفاء بذكر الوحدة والرحمة على الوجه الذي قررناه في تفسير الآية ظاهر لا تطلب البلاغة غيره ، لان الوحدة تذكر اولئك الكافرين الكاتمين للحق بأنهم لا يجدون ملجأ غير الله يقيهم عقوبته ولعنته. وذكر الرحمة بعدها يرغبهم في التوبة ويحول دون يأسهم من فضل الله بعد إيئاسهم ممن اتخذوهم شفعاء ووسطاء عنده ، فيطابق ذلك قوله تعالى في الاية التي ذكر فيها الكتمان (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) الخ.
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الخ هذه آية قرآنية تشرح لنا بعض الآيات الكونية الدالة على وحدانية الله تعالى ورحمته الواسعة إثباتا لما ورد في الآية قبلها من هذين الوصفين له تعالى على طريقة القرآن في قرن المسائل الاعتقادية بدلائلها وبراهينها كما ألمعنا. وهذه الايات أجناس (الاول والثاني) منها خلق السموات والارض ففيه آيات بينات كثيرة الانواع يدهش المتأملين بعض ظواهرها فكيف حال من اطلع على ما اكتشف العلماء من عجائبها ، الدال على أن ما لم يعرفوه أعظم مما عرفوه منها.
تتألف هذه الاجرام السماوية من طوائف يبعد بعضها عن بعض بما يقدر
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)