تعالى فهو بتفرده بالالوهية يكفيكم كل ضرر تخافونه ، ويعطيكم برحمته الواسعة كل ما ترجونه ، فان بيده ملكوت كل شيء ، وكل ما تعتمدون عليه من دونه فليس محلا للاعتماد بل اعتمادكم عليه من قبيل الشرك فيجب أن تطرحوه جانبا ، وتعتقدوا أن الا له الذي بيده أزمة المنافع والقادر على دفع المضار وايقاعها هو واحد لا سلطان لأحد على إرادته ، ولا مبدل لكلمته ، ولا أوسع من رحمته ، وإنما اكد امر الوحدة هذا التأكيد تحذيرا من طرق الشرك الخفية على انها أساس الدين وأصله. وقد فصلنا معاني التوحيد والشرك واسمي الرحمن والرحيم في تفسير الفاتحة.
أرأيت هذا الاتصال المحكم بين الآية وما قبلها؟ ان بعض المفسرين قد قطع عراه وفصمها ، وجعل الاية جوابا لقوم قالوا للنبي صلىاللهعليهوسلم انسب لنا ربك ، قاله الجلال ، ويقول الاستاذ الامام ان سبب النزول انما يحتاج اليه في آيات الاحكام لان معرفة الوقائع والحوادث التي نزل فيها الحكم تعين على فهمه وفقه حكمته وسره ، ومثلها ما فيه إشارة الى بعض الوقائع كغزوة بدر والنصر فيها ومصيبة المؤمنين في أحد وأما الايات المقررة للتوحيد وهو المقصود الاول من الدين فلا حاجة الى التماس أسباب لنزولها بل هي لا تتوقف على انتظار السؤال ، وإنما كان يبين عند كل مناسبة. وما عساه يكون قد قارن نزولها من حادثة أو سؤال مثل هذا الذي ذكر آنفا فهو إن صح رواية لا يزيدنا بيانا في فهم الاية ، ولا يصح أن يجعل سببا لنزولها لا سيما بعد الذي علم من اتصالها بما قبلها كما يليق ببلاغة القرآن.
ومثل هذا السبب يجعل القرآن مبددا متفرقا لا ترتبط اجزاؤه ، ولا تتصل انحاؤه ،. ومثله ما قالوه في سبب الاية التي بعد هذه الاية ، فانها جاءت على سنة القرآن من وصل الدليل بالدعوى ، ولكنهم رووا في سببها روايات منها ان آية (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) نزلت بالمدينة ثم سمع بها مشركو مكة فقالوا ما قالوا وعجبوا كيف يسع الخلق إله واحد وطلبوا الدليل على ذلك ، كأنهم لم يكونوا قد سمعوا عليه دليلا ، وكأن هذه الدعوى لم تكن طرأت على اذهانهم ولا طرقت ابواب مسامعهم ـ على ان النبي صلىاللهعليهوسلم كان قد اقام فيهم يدعوهم إلى هذا التوحيد عشر سنين ونيفا ، وسبق لهم التعجب منه (أجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب)
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)