(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ).
(قال شيخنا) هذه الآية عود إلى أصل السياق وهو معاداة النبي ومعاندته من الكفار عامة ومن اليهود خاصة ، والكلام في القبلة إنما كان في معرض جحودهم وعدائهم أيضا ، وجاء فيه أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وان فريقا منهم يكتمون الحق وهم يعلمون ، ولم يذكر هناك وعيد هؤلاء الكاتمين لان ذكر الكتمان ورد مورد الاحتجاج عليهم ، وتسلية للنبي والمؤمنين على إيذائهم ، ثم عاد هنا فذكره ، وهو عبارة عن إنكارهم أخبار أنبيائهم عنه وبشارتهم به صلىاللهعليهوسلم ، وجعلهم ذلك حجة سلبية على إنكار نبوته ، إذ كانوا يقولون : ان الانبياء يبشر بعضهم ببعض ولم يبشروا بأن سيبعث نبي من العرب أبناء اسماعيل ، ولم يجيء بيان في كتبهم عن دينه وكتابه. فالله تعالى يقول : انهم يكتمون ما أنزل الله في شأن محمد صلىاللهعليهوسلم من بعد ما بينه لهم في الكتاب ، وهو اسم جنس يشمل جميع كتب الانبياء عندهم.
وقد اختلف الناس فى صفة هذا الكتمان فقال بعضهم انهم كانوا يحذفون أوصافه والبشارات فيه من كتبهم ، وهو غير معقول إذ لا يمكن أن يتواطأ أهل الكتاب على ذلك في جميع الاقطار ، ولو فعله الذين كانوا في بلاد العرب لظهر اختلاف كتبهم مع كتب اخوانهم في الشام وأوربة مثلا (١) ويذهب آخرون إلى أن الانكار كان بالتحريف والتأويل وحمل الاوصاف التي وردت فيه والدلائل التي تثبت نبوته على غيره حتى إذا سئلوا : هل لهذا النبي ذكر في كتبكم؟ قالوا : لا. على أن في كتبهم أوصافا لا تنطبق إلا على نبي في بلاد العرب وأظهرها ما في التوراة وكتاب أشعيا
__________________
(١) هذا ما استدل به بعض مفسرينا وفيه نظر أعجب كيف غاب عن استاذنا وهو مطلع على ما لم يطلعوا عليه من تاريخ كتب القوم وما فيها من الاختلافات بين النسخ القديمة والجديدة فى اللغات المختلفة وأقدم نسخ العهد القديم العبرانية ماخوذ عن النسخة المسورية (بضم السين) التي جمعتها لجنة من اليهود في طبرية وفي سورة أو سورا في وادي الفرات من القرن السادس الى الثاني عشر للمسيح وقد أضافوا فيها الى النصوص تفسيرا يسمى المسورة اي التقليد وحواشي تفسيرية أدخل بعضها في الاصل ـ وكذا ما بين النسخة السبعينية من التوراة وغيرها ـ ويراجع هذا البحث في تفسير سورة الاعراف وبينا موضعه قريبا في الصفحة ٤٨
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)