فانه لا يقبل التأويل إلا بغاية التمحل والتعسف. وكذلك فعلوا بالدلائل على نبوة المسيح فانهم أنكروا انطباقها عليه وزعموا انها لغيره ، ولا يزالون ينتظرون ذلك الغير.
وقد بين الله تعالى في هذه الآية أنهم لم يقتصروا على كتمان الشهادة للنبي صلىاللهعليهوسلم بالتأويل بل كتموا ما في الكتاب من الهدى والارشاد بضروب التأويل أيضا حتى أفسدوا الدين وانحرفوا بالناس عن صراطه ، وذكر جزاءهم فقال (أُولئِكَ) أي الذين كتموا البينات والهدى فحرموا النور السابق والنور اللاحق. أو الذين شأنهم هذا الكتمان في الحال والاستقبال (يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) أما لعن الله لهم فهو حرمانهم من رحمته الخاصة بالمؤمنين في الدنيا والآخرة. وأما لعن اللاعنين لهم فليس معناه أنه ينبغي أو يطلب لعنهم ، وإنما معناه أنهم بفعلتهم هذه موضع لعنة اللاعنين الآتي ذكرهم في الآية الآتية (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) عن الكتمان (وَأَصْلَحُوا) عملهم بالاخذ بتلك البينات عن النبي ودينه والهدى الذي جاء به (وَبَيَّنُوا) ما كانوا يكتمونه أو بينوا إصلاحهم ، وجاهروا بعملهم الصالح وأظهروه للناس ، فان بعض الناس يعرف الحق ويعمل به ولكنه يكتم عمله ويسره موافقة للناس فيما هم فيه لئلا يعيبوه ، وهذا ضرب من الشرك الخفي وايثار الخلق على الحق ، لذلك اشترط في توبتهم اظهار إصلاحهم والمجاهرة بأعمالهم ليكونوا حجة على المنكرين ، وقدوة صالحة لضعفاء التائبين.
(فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ) أي أرجع وأعود عليهم بالرحمة والرأفة ، بعد الحرمان المعبر عنه باللعنة. قال الاستاذ : وهذا من ألطف أنواع التأديب الالهي فانه لم يذكر أنه يقبل توبتهم كما هو الواقع بل أسند الى ذاته العلية فعل التوبة الذي أسنده اليهم ، وزاد على ذلك من تأنيسهم وترغيبهم أن قال (وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) يصف نفسه سبحانه بكثرة الرجوع والتوبة ، للايذان بالتكرار ، كلما اذنب العبد وتاب ، حتى لا ييأس من رحمة ربه ، إذا هو عاد إلى ذنبه. فاي ترغيب في ذلك أبلغ من هذا وأشد تاثيرا منه لمن يشعر ويعقل؟
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)