جعلها إعلاما لنا : الخ فهو يريد أن الشعائر من أشعره بالشيء أعلمه به وقد صرح بذلك ولكنه لا يدل بهذا على معنى التعبد إذ قد أعلمنا الله تعالى بالاحكام التي لا تعبد فيها أيضا والشعائر لم تطلق في القرآن إلا على مناسك الحج الاجتماعية ، وألحق بها بعضهم ما في معناها من عبادات الاسلام الاجتماعية كالاذان وصلاة الجمعة والعيدين.
(الاستاذ الامام) في الاحكام التي شرعها الله تعالى نوع يسمى بالشعائر ومنها ما لا يسمى بذلك كأحكام المعاملات كافة لانها شرعت لمصالح البشر فلها علل وأسباب يسهل على كل إنسان أن يفهمها ، فهذا احد أقسام الشرائع. والقسم الثاني هو ما تعبدنا الله تعالى به كالصلاة على وجه مخصوص ، وكالتوجه فيها إلى مكان مخصوص سماه الله بيته مع أنه من خلقه كسائر العالم. فهذا شيء شرعه الله وتعبدنا به لعلمه بان فيه مصلحة لنا ولكننا نحن لا نفهم سر ذلك تمام الفهم من كل وجه.
أقول : وهذا النوع يوقف فيه عند نص ما شرعه الله تعالى ، لا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يقاس عليه ، ولا يؤخذ فيه برأي أحد ولا باجتهاده ، إذ لو أبيح للناس الزيادة في شعائر الدين باجتهادهم في عموم لفظ او قياس لأمكن أن تصير شعائر الاسلام أضعاف ما كانت عليه في عهد الرسول صلىاللهعليهوسلم حتى لا يفرق أكثر الناس بين الاصل المشترع ، والدخيل المبتدع ، فيكون المسلمون كالنصارى. فكل من ابتدع شعيرة أو عبادة في الاسلام فهو ممن يصدق عليهم قوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ) وإنما الاجتهاد في مثل تحري القبلة من العمل التعبدي وفي القضاء. وليراجع القاريء تفسير قوله تعالى (٥ : ١٠٤ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) وقوله (٩ : ٣١ اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) ومن العبث أن يعمل الانسان ما لا يعرف له فائدة لقول من هو مثله وهو مستعد لأن يفهم كل ما يفهمه؟ ولا يأتي هذا العبث في امتثال أمر الله تعالى لأنا نعتقد أنه برحمته وحكمته لا يشرع لنا إلا ما فيه خيرنا ومصلحتنا ، وأنه بعلمه المحيط بكل شيء يعلم من ذلك ما لا نعلم. والتجربة تؤيد هذا الاعتقاد فان الطائعين القائمين بحقوق الدين تصلح أحوالهم في الدنيا ، ويرجى لهم في الآخرة ما يرجى ، وإن لم يفهموا فهما كاملا فائدة كل جزئية من جزئيات العمل ، فمثلهم كما قال الغزالي مثل من وثق بالطبيب وجرب دواءه
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)