البحث
البحث في تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]
لهذه الحكمة (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي إن الجهات كلها لله تعالى لا فضل لجهة منها بذاتها على جهة ، وإن لله أن يخصص منهما ما شاء فيجعله قبلة لمن يشاء ، وهو الذي (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) وهو صراط الاعتدال في الافكار والاخلاق والأعمال كما يبين في الآية الآتية. فعلم أن نسبة الجهات كلها الى الله تعالى واحدة وان العبرة في التوجه اليه سبحانه بالقلوب ، واتباع وحيه في توجه الوجوه
قال تعالى (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) وهو تصريح بما فهم من قوله (وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) الخ أي على هذا النحو من الهداية جعلناكم أمة وسطا. قالوا ان الوسط هو العدل والخيار وذلك أن الزيادة على المطلوب في الامر إفراط ، والنقص عنه تفريط وتقصير ، وكل من الافراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة فهو شر ومذموم ، فالخيار هو الوسط بين طرفي الامر أي المتوسط بينهما. قال الاستاذ الامام بعد ايراد هذا : ولكن يقال لم اختير لفظ الوسط على لفظ الخيار مع ان هذا هو المقصود والاول انما يدل عليه بالالتزام؟ والجواب من وجهين (أحدهما) ان وجه الاختيار هو التمهيد للتعليل الآتي فان الشاهد على الشيء لا بد أن يكون عارفا به ، ومن كان متوسطا بين شيئين فانه يرى أحدهما من جانب وثانيهما من الجانب الآخر ، وأما من كان في احد الطرفين فلا يعرف حقيقة حال الطرف الآخر ولا حال الوسط أيضا (وثانيهما) أن في لفظ الوسط إشعارا بالسببية فكأنه دليل على نفسه ، أي أن المسلمين خيار وعدول لانهم وسط ، ليسوا من أرباب الغلو في الدين المفرطين ، ولا من أرباب التعطيل المفرّطين ، فهم كذلك في العقائد والاخلاق والاعمال.
ذلك أن الناس كانوا قبل ظهور الاسلام على قسمين ـ قسم تقضي عليه تقاليده بالمادية المحضة فلا هم له الا الحظوظ الجسدية كاليهود والمشركين ، وقسم تحكم عليه تقاليده بالروحانية الخالصة ، وترك الدنيا وما فيها من اللذات الجسمانية ، كالنصارى والصابئين وطوائف من وثنيي الهند أصحاب الرياضات.
وأما الامة الاسلامية فقد جمع الله لها في دينها بين الحقين حق الروح وحق
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)