الجسد ، فهي روحانية جثمانية ، وان شئت قلت انه أعطاها جميع حقوق الانسانية ، فان الانسان جسم وروح ، حيوان وملك. فكأنه قال : جعلناكم أمة وسطا تعرفون الحقين ، وتبلغون الكمالين (لِتَكُونُوا شُهَداءَ) بالحق (عَلَى النَّاسِ) الجسمانيين بما فرطوا في جنب الدين ، والروحانيين اذ أفرطوا وكانوا من الغالين ، تشهدون على المفرطين بالتعطيل القائلين : (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) بأنهم أخلدوا الى البهيمية ، وقضوا على استعدادهم بالحرمان من المزايا الروحانية ، وتشهدون على المفرطين بالغلو في الدين القائلين : ان هذا الوجود حبس للارواح وعقوبة لها ، فعلينا أن نتخلص منه بالتخلي عن جميع اللذات الجسمانية وتعذيب الجسد وهضم حقوق النفس ، وحرمانها من جميع ما أعده الله لها في هذه الحياة ـ تشهدون عليهم بأنهم خرجوا عن جادة الاعتدال ، وجنوا على أرواحهم بجنايتهم على أجسادهم وقواها الحيوية ، تشهدون على هؤلاء وهؤلاء ، وتسبقون الامم كلها باعتدالكم وتوسطكم في الامور كلها ، ذلك بأن ما هديتم اليه هو الكمال الانساني الذي ليس بعده كمال ، لان صاحبه يعطي كل ذي حق حقه ـ يؤدي حقوق ربه ، وحقوق نفسه ، وحقوق جسمه ، وحقوق ذوي القربى ، وحقوق سائر الناس ، (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) أي إن الرسول عليه الصلاة والسّلام هو المثال الاكمل لمرتبة الوسط ، وإنما تكون هذه الامة وسطا باتباعها له في سيرته وشريعته ، وهو القاضي بين الناس فيمن اتبع سنته ومن ابتدع لنفسه تقاليد أخرى أو حذا حذو المبتدعين ، فكما تشهد هذه الامة على الناس بسيرتها وارتقائها الجسدي والروحي بأنهم قد ضلوا عن القصد ، يشهد لها الرسول بما وافقت فيه سنته وما كان لها من الاسوة الحسنة فيه ، بأنها استقامت على صراط الهداية المستقيم ، فكأنه قال : إنما يتحقق لكم وصف الوسط إذا حافظتم على العمل يهدي الرسول واستقمتم على سنته ، وأما إذا انحرفتم عن هذه الجادة فالرسول بنفسه ودينه وسيرته حجة عليكم بأنكم لستم من أمته التي وصفها الله في كتابه بهذه الآية وبقوله (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) الخ بل
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)