أكمل استعدادا له من جميع الانام ، قال (الاستاذ الامام) ولا بعد في تشوفه الى قبلة إبراهيم ، وقد جاء باحياء ملته ، وتجديد دعوته ، ولا يعد هذا من الرغبة عن أمر الله تعالى الى هوى نفسه ، كلا ان هوى الانبياء لا يعدو أمر الله تعالى وموافقة رضوانه. ولو كان لأحد منهم هوى ورغبة في أمر مباح مثلا وأمره الله تعالى بخلافه لا نقلبت رغبته فيه الى الرغبة عنه الى ما أمر الله تعالى به ورضيه ، بل المقام أدق ، والسر أخفى ، إن روح النبي منطوية على الدين في جملته من قبل أن ينزل عليه الوحي بتفصيل مسائله ، فهي تشعر بصفائها وإشراقها بحاجة الامة التي بعث فيها شعورا إجماليا كليا لا يكاد يتجلى في جزئيات المسائل وآحاد الاحكام الا عند شدة الحاجة اليها ، والاستعداد لتشريعها ، عند ذلك يتوجه قلب النبي الى ربه طالبا بلسان استعداده بيان ما يشعر به مجملا ، وإيضاح ما يلوح له مبهما ، فينزل الروح الأمين على قلبه ، ويخاطبه بلسان قومه عن ربه ، وهكذا الوحي إمداد ، في موطن استعداد ، لا كسب فيه للعباد ، واذا كان حكم شرع لسبب مؤقت ، وزمن في علم الله معين ، فان روح النبي تشعر بذلك في الجملة ، فاذا تم الميقات ، وأزف وقت الرقي الى ما هو آت ، وجدت من الشعور بالحاجة الى النسخ ما يوجهها الى الشارع العليم ، والديان الحكيم ، كما كان يتقلب وجه نبينا في السماء تشوفا الى تحويل القبلة فذلك قوله تعالى (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ) أي اننا نرى تقلب وجهك أيها الرسول وتردده المرة بعد المرة في السماء ، مصدر الوحي وقبلة الدعاء ، انتظارا لما ترجوه من نزول الامر بتحويل القبلة.
فسر بعضهم تقلب الوجه بالدعاء ، وحقيقة الدعاء هي شعور القلب بالحاجة الى عناية الله تعالى فيما يطلب ، وصدق التوجه اليه فيما يرغب ، ولا يتوقف على تحريك اللسان بالالفاظ ، فان الله ينظر الى القلوب وما أسرت فان وافقتها الالسنة فهي تبع لها ، والا كان الدعاء لغوا يبغضه الله تعالى ، فالدعاء الديني لا يتحقق الا باحساس الداعي بالحاجة الى عناية الله تعالى ، وعن هذا الاحساس يعبر اللسان بالضراعة والابتهال ، فهذا التفسير ليس بأجنبي من سابقه. فتقلب الوجه في السماء عبارة عن التوجه الى الله تعالى انتظارا لما كانت تشعر به روح النبي صلىاللهعليهوسلم وترجوه من
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)