نزول الوحي بتحويل القبلة. ولا تدل الآية على انه كان يدعو بلسانه طالبا هذا التحويل ولا تنفي ذلك. وقال بعض المحققين : من كمال أدبه صلىاللهعليهوسلم انه انتظر ولم يسأل.
وهذا التوجه هو الذي يحبه الله تعالى ويهدي قلب صاحبه الى ما يرجوه ويطلبه لذلك قال عزوجل (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها) أي فلنجعلنك متوليا قبلة تحبها وترضاها ، وقرن الوعد بالامر فقال (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) تولية الوجه المكان أو الشيء هي جعله قبالته وأمامه ، والتولي عنه جعله وراءه. والشطر في الاصل القسم المنفصل من الشيء تقول جعله شطرين ومنه شطر البيت من الشعر وهو المصراع منه ، وكذا المتصل كشطري الناقة وأشطرها وهي أخلافها : شطران أماميان وشطران خلفيان. ويطلق على النحو والجهة وهو المراد هنا ، فالواجب استقبال جهة الكعبة في حال البعد عنها وعدم رؤيتها ، ولا يجب استقبال عينها إلا على من يراها بعينه ، أو يلمسها بيده أو بدنه. فان صح اطلاق الشطر على عين الشيء في اللغة فلا يصح ان يراد هنا لما فيه من الحرج الشديد لا سيما على الأمة الامية. ثم أمر بذلك المؤمنين عامة فقال (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) أي وفي أي مكان كنتم فاستقبلوا جهته بوجوهكم في صلاتكم ، وهذا يقتضي أن يصلي المسلمون في بقاع الارض الى جميع الجهات لا كالنصارى الذين يلتزمون جهة المشرق ، ويقتضي أن يعرفوا موقع البيت الحرام وجهته حيثما كانوا ولذلك وضعوا علم سمت القبلة وتقويم البلدان (الجغرافية الفلكية والارضية). وقد عهد من أسلوب القرآن ان يكون الامر يؤمر به النبي ولا يذكر انه خاص به أمرا له وللمؤمنين به فاذا أريد التخصيص جيء بما يدل عليه كقوله تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) وقوله (خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) وانما أمر الله المؤمنين في هذه الآية بما أمر به النبي فيها نصا صريحا للتأكيد الذي اقتضته الحال في حادثة القبلة ، فانها كانت حادثة كبيرة استتبعت فتنة عظيمة ، فاراد الله أن يعلم المؤمنين بعنايته بها ويقررها في أنفسهم ، فاكد الامر بها وشرفهم بالخطاب مع خطاب الرسول عليه الصلاة والسّلام لتشتد قلوبهم وتطمئن نفوسهم ، ويتلقوا تلك الفتنة التي أثارها المنافقون والكافرون
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)