فطاعته تعالى فيما شرّع لعباده وما يتعلق بها نوع تعلق من التوكل عليه ، وطاعته واجبة لمن عرفه وآمن به فعلى الله فليتوكل المؤمنون وإياه فليطيعوا ، وأما من لم يعرفه ولم يؤمن به فلا تتحقق منه طاعة.
قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) الخ ؛ (الْمُؤْمِنُونَ) في (مِنْ) للتبعيض ، وسياق الخطاب بلفظ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وتعليق العداوة بهم يفيد التعليل أي أنهم يعادونهم بما أنهم مؤمنون ، والعداوة من جهة الإيمان لا تتحقق إلّا باهتمامهم أن يصرفوهم عن أصل الإيمان أو عن الأعمال الصالحة كالإنفاق في سبيل الله والهجرة من دار الكفر أو أن يحملوهم على الكفر أو المعاصي الموبقة كالبخل عن الإنفاق في سبيل الله شفقة على الأولاد والأزواج والغصب واكتساب المال من غير طريق حله.
فالله سبحانه يعد بعض الأولاد والأزواج عدوا للمؤمنين في إيمانهم حيث يحملونهم على ترك الايمان بالله أو ترك بعض الأعمال الصالحة أو اقتراف بعض الكبائر الموبقة وربما أطاعوهم في بعض ذلك شفقة عليهم وحبا لهم فأمرهم الله بالحذر منهم.
وقوله : (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال الراغب : العفو القصد لتناول الشيء يقال : عفاه واعتفاه أي قصده متناولا ما عنده ـ الى أن قال ـ وعفوت عنه قصدت إزالة ذنبه صارفا عنه ، وقال : الصفح ترك التثريب وهو أبلغ من العفو ، ولذلك قال تعالى : (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) وقد يعفو الانسان ولا يصفح ، وقال : الغفر إلباس ما يصونه عن الدنس ، ومنه قيل : اغفر ثوبك في الوعاء واصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ ، والغفران والمغفرة من الله هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب قال : (غُفْرانَكَ رَبَّنا) و (مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) انتهى.
ففي قوله : (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا واغفروا) ندب الى كمال الاغماض عن الأولاد والأزواج.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4692_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
