إذا ظهر منهم شيء من آثار المعاداة المذكورة ـ مع الحذر من أن يفتتن بهم ـ.
وفي قوله : (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) إن كان المراد خصوص مغفرته ورحمته للمخاطبين أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا كان وعدا جميلا لهم تجاه عملهم الصالح كما في قوله تعالى : (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ) (النور / ٢٢).
وإن أريد مغفرته ورحمته العامتان من غير تقييد بمورد الخطاب أفاد أن المغفرة والرحمة من صفات الله سبحانه فإن عفوا وصفحوا وغفروا فقد اتصفوا بصفات الله وتخلّقوا بأخلاقه.
قوله تعالى : (إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) الفتنة ما يبتلى ويمتحن به ، وكون الأموال والبنين فتنة إنما هو لكونهما زينة الحياة تنجذب اليهما النفس انجذابا فتفتتن وتلهو بهما عما يهمها من أمر آخرته وطاعة ربه ، قال تعالى : (الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا) (الكهف / ٤٦).
والجملة كناية عن النهي عن التلهي بهما والتفريط في جنب الله بالليّ اليهما ويؤكده قوله : (وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).
قوله تعالى : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) الخ ؛ أي مبلغ استطاعتكم ـ على ما يفيده السياق فإن السياق سياق الدعوة والندب الى السمع والطاعة والإنفاق والمجاهدة في الله ـ والجملة تفريع على قوله : (إِنَّما أَمْوالُكُمْ) الخ ؛ فالمعنى : اتقوه مبلغ استطاعتكم ولا تدعوا من الاتقاء شيئا تسعه طاقتكم وجهدكم فتجري الآية مجرى قوله : (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) (آل عمران / ١٠٢) ، وليست الآية ناظرة الى النفي التكليف بالاتقاء فيما وراء الاستطاعة وفوق الطاقة كما في قوله : (وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) (البقرة / ٢٨٦).
وقوله : (وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ) توضيح وتأكيد لقوله : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) والسمع الاستجابة والقبول وهو في مقام الالتزام القلبي ، والطاعة الانقياد وهو في مقام العمل ، والإنفاق المراد به بذل المال في سبيل الله.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4692_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
