قوله تعالى : (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) الكذب خلاف الصدق يقال : كذب فلان في حديثه ، ويقال : كذبه الحديث بالتعدي الى مفعولين أي حدثه كذبا ، والكذب كما يطلق عى القول والحديث الذي يلفظه اللسان كذلك يطلق على خطاء القوة المدركة يقال : كذبته عينه أي أخطأته في رؤيتها.
ونفي الكذب عن الفؤاد إنما هو بهذا المعنى سواء أخذ الكذب لازما والتقدير ما كذر الفؤاد فيما رأى أو متعديا الى مفعولين ، والتقدير ما كذب الفؤاد ـ فؤاد النبي ـ النبي ما رآه أي إن رؤية فؤاده فيما رآه رؤية صادقة.
وعلى هذا فالمراد بالفؤاد فؤاد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وضمير الفاعل في (ما رَأى) راجع الى الفؤاد والرؤية رؤيته.
ولا بدع في نسبة الرؤية وهي مشاهدة العيان الى الفؤاد فإن للإنسان نوعا من الإدراك الشهودي وراء الإدراك بإحدى الحواس الظاهرة والتخيل والتفكر بالقوى الباطنة كما أننا نشاهد من أنفسنا أننا نرى وليست هذه المشاهدة العيانية إبصارا بالبصر ولا معلوما بفكر ، وكذا نرى من أنفسنا أننا نسمع ونشم ونذوق ونلمس ونشاهد أننا نتخيل ونتفكر وليست هذه الرؤية ببصر أو بشيء من الحواس الظاهرة أو الباطنة فإنا كما نشاهد مدركات كل واحدة من هذه القوى بنفس تلك القوة كذلك نشاهد إدراك كل منا لمدركها وليس هذه المشاهدة بنفس تلك القوة بل بأنفسنا المعبر عنها بالفؤاد.
وليس في الآية ما يدل على أن متعلق الرؤية هو الله سبحانه وأنه لمرئي له صلىاللهعليهوآلهوسلم بل المرئي هو الافق الأعلى والدنو والتدلي وأنه أوحي اليه فهذه هي المذكورة في الآيات السابقة وهي آيات له تعالى ، ويؤيد ذلك ما ذكره تعالى في النزلة الاخرى من قوله : (ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى).
على أنها لو دلّت على تعلق الرؤية به تعالى لم يكن به بأس فإنها رؤية القلب ورؤيه القلب
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4692_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
