وهذا الذي قاله لصاحبه يحكي عن مزعمة خاصة عنده منحرفة عن الحق فإنه نظر الى نفسه وهو مطلق التصرف فيما خوله الله من مال وولد لا يزاحم فيما يريده في ذلك فاعتقد انه مالكه وهذا حق لكنه نسي ان الله سبحانه هو الذي ملكه وهو المالك لما ملكه والذي سخره الله له وسلطه عليه من زينة الحياة الدينا التي هي فتنة وبلاء يمتحن بها الإنسان ليميز الله الخبيث من الطيب بل اجتذبت الزينة نفسه اليها فحسب انه منقطع عن ربه مستقل بنفسه فيما يملكه ، وان التأثير كله عند الأسباب الظاهرية التي سخرت له.
فنسي الله سبحانه وركن الى الأسباب وهذا هو الشرك ثم التفت الى نفسه فرآى أنه يتصرف في الأسباب مهيمنا عليها فظن ذلك كرامة لنفسه وأخذه الكبر فاستكبر على صاحبه.
قوله تعالى : (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ) الى آخر الآيتين ؛ الضمائر الأربع راجعة الى الرجل ، والراد بالجنة جنسها ولذا لم تثن ، وقيل : لأن الدخول لا يتحقق في الجنتين معا في وقت واحد ، وإنما يكون في والواحدة بعد الواحدة.
وقال في الكشاف : فإن قلت : فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت : معناه ودخل ما هو جنته ماله جنة غيرها يعني أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما. انتهى وهو وجه لطيف.
وقوله : (وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) وإنما كان ظالما لأنه تكبر على صاحبه إذ قال : (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً) الخ ؛ وهو يكشف عن إعجابه بنفسه وشركه بالله بنسيانه والركون الى الأسباب الظاهرية ، وكل ذلك من الرذائل المهلكة.
وقوله : (قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً) البيد والبيدودة الهلاك والفناء والإشارة بهذه الى الجنة ، وفصل الجملة لكونها في معنى جواب سؤال مقدر كأنه لما قيل : ودخل جنته قيل : فما فعل؟ فقيل : قال : ما أظن أن تبيد ، الخ.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
