وقد عبر عن بقاء جنته بقوله : (ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ) الخ ؛ ونفي الظن بأمر كناية عن كونه فرضا وتقديرا لا يلتفت اليه حتى يظن به ويمال اليه فمعنى ما أظن أن تبيد هذه أن بقاءه ودوامه مما تطمئن اليه النفس ولا تتردد فيه حتى تتفكر في بيده وتظن أنه سيفنى.
وقوله : (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً) هو مبني على ما مر من التأييد في قوله : (ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً) فإنه يورث استبعاد تغير الوضع الحاضر بقيام الساعة ، وكل ما حكاه الله سبحانه من حجج المشركين على نفي المعاد مبني على الاستبعاد كقولهم : (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) (يس / ٧٨) ، وقولهم : (أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (الم السجدة / ١٠).
وقوله : (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً) مبني على ما تقدم من دعوى كرامة النفس واستحقاق الخير ، ويورث ذلك في الإنسان رجاء كاذبا بكل خير وسعادة من غير عمل يستدعيه يقول : من المستبعد أن تقوم الساعة ولئن قامت ورددت الى ربي لأجدن بكرامة نفسي ـ ولا يقول : يؤتيني ربي ـ خيرا من هذه الجنة منقلبا أنقلب اليه.
وقد خدعت هذا القائل نفسه فيما ادعت من الكرامة حتى أقسم على ما قال كما يدل عليه لام القسم في قوله : (وَلَئِنْ رُدِدْتُ) ولام التأكيد ونونها في قوله : (لَأَجِدَنَّ) وقال : (رُدِدْتُ) ولم يقل : ردني ربي اليه ، وقال : (لَأَجِدَنَّ) ولم يقل : آتاني الله.
والآيتان كقوله تعالى : (وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) (حم السجدة / ٥٠).
قوله تعالى : (قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) الآية وما بعدها الى تمام أربع آيات رد من صاحب الرجل يرد به قوله : (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً) ثم قوله إذ دخل جنته : (ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً) وقد حلل الكلام من حيث غرض المتكلم الى جهتين : إحداهما استعلاؤه على الله
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
