يَشْقى) في الآية قضاء منه تعالى متفرع على الهبوط ولذا عطف بفاء التفريع ، وأصل قوله :(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ) فإن يأتكم زيد عليه ما ونون التأكيد للإشارة الى وقوع الشرط كأنه قيل : إن يأتكم مني هدى ـ وهو لا محالة آت ـ فمن اتبع ، الخ.
وفي قوله : (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ) نسبة الاتباع الى الهدى على طريق الاستعارة بالكناية ، وأصله : من اتبع الهادي الذي يهدي بهداي.
وقوله : (فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) أي لا يضلّ في طريقه ولا يشقى في غايته التي هي عاقبة أمره ، وإطلاق الضلال والشقاء يقضي بنفي الضلال والشقاء عنه في الدنيا والآخرة جميعا وهو كذلك فإن الهدى الإلهي هو الدين الفطري الذي دعا اليه بلسان أنبيائه ، ودين الفطرة هو مجموع الاعتقادات والأعمال التي تدعو اليها فطرة الإنسان وخلقته بحسب ما جهّز به من الجهازات ، ومن المعلوم أن سعادة كل شيء هو ما تستدعيه خلقته بما لها من التجهيز لا سعادة له وراءه ، قال تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم / ٣٠).
قوله تعالى : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) قال الراغب : العيش الحياة المختصة بالحيوان وهو أخص من الحياة لأن الحياة يقال في الحيوان وفي الباري تعالى وفي الملك ويشتق منه المعيشة لما يتعيّش منه ، قال تعالى : (نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)(مَعِيشَةً ضَنْكاً) انتهى ، والضنك هو الضيق من كل شيء ويستوي فيه المذكر والمؤنث ، يقال : مكان ضنك ومعيشة ضنك وهو في الأصل مصدر ضنك يضنك من باب شرف يشرف أي ضاق.
وقوله : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) يقابل قوله في الآية السابقة : (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ) وكان مقتضى المقابلة أن يقال : «ومن لم يتبع هداي» وإنما عدل عنه الى ذكر الإعراض عن الذكر ليشير به الى علة الحكم لأن نسيانه تعالى والإعراض عن ذكره هو السبب لضنك
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
