العيش والعمى يوم القيامة ، وليكون توطئة وتمهيدا لما سيذكر من نسيانه تعالى يوم القيامة من نسيه في الدنيا.
والمراد بذكره تعالى إما المعنى المصدري فقوله : (ذِكْرِي) من إضافة المصدر الى مفعوله أو القرآن أو مطلق الكتب السماوية كما يؤيده قوله الآتي : (أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها) أو الدعوة الحقة وتسميتها ذكرا لأن لازم اتباعها والأخذ بها ذكره تعالى.
وقوله : (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) أي ضيقة وذلك أن من نسي ربه وانقطع عن ذكره لم يبق له إلا أن يتعلق بالدنيا وجعلها مطلوبه الوحيد الذي يسعى له ويهتم بإصلاح معيشته والتوسع فيها والتمتع منها ، والمعيشة التي أوتيها لا تسعه سواء كانت قليلة أو كثيرة لأنه كلما حصل منها واقتناها لم يرض نفسه بها وانتزعت الى تحصيل ما هو أزيد وأوسع من غير أن يقف منها على حد فهو دائما في ضيق صدر وحنق مما وجد متعلق القلب بما وراءه مع ما يهجم عليه من الهم والغم والحزن والقلب والاضطراب والخوف بنزول النوازل وعروض العوارض من موت ومرض وعاهة وحسد حاسد وكيد كائد وخيبة سعي وفراق حبيب.
ولو أنه عرف مقام ربه ذاكرا غير ناس أيقن أن له حياة عند ربه لا يخالطها موت وملكا لا يعتريه زوال وعزة لا يشوبها ذلة وفرحا وسرورا ورفعة وكرامة لا تقدّر بقدر ولا تنتهي الى أمد وأن الدنيا دار مجاز وما حياتها في الآخرة إلا متاع فلو عرف ذلك قنعت نفسه بما قد عرف له من الدنيا ووسعه ما أوتيه من المعيشة من غير ضيق وضنك.
وقيل : المراد بالمعيشة الضنك عذاب القبر وشقاء الحياة البرزخية بناء على أن كثيرا من المعرضين عن ذكر الله ربما نالوا من المعيشة أوسعها وألقت اليهم أمور الدنيا بأزمّتها فهم في عيشة وسيعة سعيدة.
وفيه أنه مبني على مقايسة معيشة الغني من معيشة الفقير بالنظر الى نفس المعيشتين والإمكانات التي فيهما ولا يتعلق نظر القرآن بهما من هذه الجهة البته ، وإنما تبحث الآيات فيهما
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
