اليهم من جهة تلقيه فلا يخطؤون ، ومن جهة حفظه فلا ينسون ولا يحرّفون ، ومن جهة إلقائه الى الناس وتبليغه لهم قولا فلا يقولون إلا الحق الذي أوحي اليهم وفعلا فلا يخالف فعلهم قولهم ولا يقترفون معصية صغيرة ولا كبيرة لأن في لفعل تبليغا كالقول ، وأما المعصية بمعنى مخالفة الأمر الإرشادي الذي لا داعي فيه إلا إحراز المأمور خيرا أو منفعة من خيرات حياته ومنافعها بانتخاب الطريق الأصلح كما يأمر وينهى المشير الناصح نصحا فإطاعته ومعصيته خارجتان من مجرى أدلة العصمة وهو ظاهر.
قوله تعالى : (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) الإجتباء ـ كما تقدم مرارا ـ بمعنى الجمع على طريق الاصطفاء ففيه جمعه تعالى عبده لنفسه لا يشاركه فيه أحد وجعله من المخلصين بفتح اللام ، وعلى هذا المعنى يتفرع عليه قوله : (فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) ، كأنه كان ذا أجزاء متفرقة متشبتتة فجمعها من هنا وهناك الى مكان واحد ثم تاب عليه ورجع اليه وهداه وسلك به الى نفسه.
وإنما فسّرنا قوله : (هَدى) وهو مطلق بهدايته الى نفسه بقرينة الاجتباء ، ولا ينافي مع ذلك إطلاق الهداية لأن الهداية اليه تعالى أصل كل هداية ومحتدها ، نعم يجب تقييد الهداية بما يكون في أمر الدين من اعتقاد حق وعمل صالح ، والدليل عليه تفريع الهداية في الآية على الاجتباء ، فافهم ذلك.
قوله تعالى : (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) تقديم تفسير مثله في سورتي البقرة والأعراف.
وفي قوله : (قالَ اهْبِطا) التفات من التكلم مع الغير الى الغيبة والإفراد ولعلّ الوجه فيه اشتمال الآية على القضاء والحكم وهو مما يختص به تعالى قال : (وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِ) (المؤمن / ٢٠) ، وقال : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) (يوسف / ٦٧).
قوله تعالى : (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
