قوله تعالى : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا) الخطاب للناس عامة مؤمنيهم وكافريهم بدليل قوله في الآية التالية : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) والضمير في (وارِدُها) للنار ، وربما قيل : إن الخطاب للكفار المذكورين في الآيات الثلاث الماضيه وفي الكلام التفات من الغيبة الى الحضور وفيه أن سياق الآية التالية يأبى ذلك.
والورود خلاف الصدور وهو قصد الماء على ما يظهر من كتب اللغة قال الراغب في المفردات : الورود أصله قصد الماء ثم يستعمل في غيره يقال : وردت الماء أرده ، ورودا فأنا وارد والماء مورود ، وقد أوردت الإبل الماء قال تعالى : (وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ) والورد الماء المرشح للورود ، والورد خلاف الصدر ، والورد يوم الحمّى إذا وردت ، واستعمل في النار على سبيل الفظاعة قال تعالى : (فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ)(وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)(إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً)(أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ)(ما وَرَدُوها) والوارد الذي يتقدم القوم فيسقي لهم قال تعالى : (فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ) أي ساقيهم من الماء المورود انتهى موضع الحاجة.
والى ذلك استند من قال من المفسرين أن الناس إنما يحضرون النار ويشرفون عليها من غير أن يدخلوها واستدلوا عليه بقوله تعالى : (وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) (القصص / ٢٣) ، وقوله : (فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ) (يوسف / ١٩) ، وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) (الأنبياء / ١٠٢).
وفيه أن استعماله في مثل قوله : (وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ) وقوله : (فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ) في الحضور بعلاقة الإشراف لا ينافي استعماله في الدخول على نحو الحقيقة كما ادّعي في آيات أخرى ، وأما قوله : (أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) فمن الجائز أن يكون الإبعاد بعد الدخول كما سيظهر من قوله : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها) ، وأن يحجب الله بينهم وبين أن يسمعوا حسيسها إكراما لهم كما حجب بين إبراهيم وبين حرارة النار ، إذ قال
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
