وقوله : (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ) الى آخر الآية ؛ العزوب الغيبة والتباعد والخفاء ، وفيه إشارة الى حضور الأشياء عنده تعالى من غير غيبة وحفظه لها في كتاب من غير زوال ، وقد تقدم بعض ما يتعلق به من الكلام في ذيل قوله : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ) (الأنعام / ٥٩) في الجزء السابع من الكتاب.
قوله تعالى : (أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) استئناف في الكلام غير أنه متعلق بغرض السورة وهو الدعوة الى الايمان بكتاب الله والندب الى توحيد الله تعالى بمعناه الوسيع.
وللدلالة على أهمية المطلب افتتح بلفظة (أَلا) التنبيهية ، والله سبحانه يذكر في هذه الآية والآيتين بعدها أولياءه ويعرّفهم ويصف آثار ولايتهم وما يختصون به من الخصيصة.
فأولياء الله ـ على أي حال ـ هو المؤمنون فإن الله يعدّ نفسه وليا لهم في حياتهم المعنوية حيث يقول : (وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران / ٦٨).
غير أن الآية التالية لهذه الآية المفسرة للكلمة تأبى أن تكون الولاية شاملة لجميع المؤمنين وفيهم امثال الذين يقول الله سبحانه فيهم : (وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (يوسف / ١٠٦) فإن قوله في الآية التالية : (الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ) يعرّفهم بالإيمان والتقوى مع الدلالة على كونهم على تقوى مستمر سابق على إيمانهم من حيث الزمان حيث قيل (آمَنُوا) ثم قيل عطفا عليه (وَكانُوا يَتَّقُونَ) فدلّ على أنهم كانوا يستمرون على التقوى قبل تحقق هذا الإيمان منهم ومن المعلوم أن الإيمان الابتدائي غير مسبوق بالتقوى بل هما متقاربان او هو قبل التقوى وخاصة التقوى المستمر.
فالمراد بهذه الإيمان مرتبة أخرى من مراتب الايمان غير المرتبة الاولى منه. فقد تقدم في الجزء الأول من الكتاب آية ١٣٠ من البقرة أن لكل من الإيمان والإسلام وكذا الشرك والكفر مراتب مختلفة بعضها فوق بعض فالمرتبة الاولى من الإسلام إجراء الشهادتين لسانا
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
