وليس ينبغي أن يغفل عن أن اصل الالتفات يبدأ من اول الآية فإن الآيات السابقة كانت تخاطب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وتأخذ المشركين على الغيبة وتكلمهم بوساطته من غير أن تواجهه بشيء من الخطاب يخص نفسه ، وقد حوّلت هذه الآية وجه الكلام الى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بما يخص به نفسه فقالت «وما تكون من شأن ولا تتلوا منه من قرآن» ثم جمعته والمشركين وغيرهم جميعا في خطاب واحد فقالت (وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً) وذلك بضمهم الى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وهم على غيبتهم وبسط الخطاب على الجميع بنوع من التغليب كما تقول لمخاطبك : أنت وقومك تفعلون كذا وكذا.
والدليل على أن هذا الخطاب بنحو الضم والتغليب قوله بعده : «ولا يعزى عن ربك» الخ ؛ فإن يكشف عن كون الخطاب معه صلىاللهعليهوآلهوسلم جاريا على ما كان.
وعلى أي حال فالتحول المذكور في خطاب الآية للإشارة الى أن السلطنة والإحاطة التامة الإلهية واقعة على الأعمال شهادة وعلما على أتمّ ما يكون من كل جهة من غير أن يستثنى منه نبي ولا مؤمن ولا مشرك او يغفل عن عمل من الاعمال فلا يتوهمن احد أن الله يخفي عليه شيء من أمره فلا يحاسبه عليه يوم القيامة ، وليكن هذا هو ظنه بربه يوم القيامة وليأخذ حذره.
وذكر تلاوة القرآن مستقلا مع دخوله في قوله قبلا : (وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ) فإنه احد شؤنه صلىاللهعليهوآلهوسلم للايماء الى أهمية أمرها ومزيد العناية بها.
وفي الآية اولا تشديد في العظة على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى أمته ، وثانيا : أن الذي يتلوه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من القرآن للناس من وحي الله وكلامه لا يطرقه تغيير ولا يدب فيه باطل لا في تلقيه منا لله ولا في تلاوته للناس فالآية قريبة المضمون من قوله : (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ) (الجن / ٢٨).
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
