قوله تعالى : (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) قال الراغب في المفردات : الأسف الحزن والغضب معا ، وقد يقال لكل واحد منهما على الانفراد وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام فمتى كان ذلك على من دونه انتشر فصار غضبا ، ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنا ـ الى ان قال ـ وقوله تعالى : (فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ) أي أغضبونا قال أبو عبد الله (١) الرضا : إن الله لا يأسف كأسفنا ولكن له أولياء يأسفون ويرضون فجعل رضاهم رضاه وغضبهم غضبه. قال : وعلى ذلك قال : من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة. انتهى.
وقال : الكظم مخرج النفس يقال : أخذ بكظمه ، والكظوم احتباس النفس ويعبر به عن السكوت كقولهم : فلان لا يتنفس إذا وصف بالمبالغة في السكوت ، وكظم فلان حبس نفسه قال تعالى (إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ) وكظم الغيظ حبسه قال تعالى (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) ، ومنه كظم البعير إذا ترك الاجترار وكظم السقاء شده بعد ملئه مانعا لنفسه. انتهى.
وقوله : (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ) ابيضاض العين أي سوادها هو العمى وبطلان الإبصار وربما يجامع قليل إبصار لكن قوله الآتي : (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً) (الآية ٩٣ من السورة) يشهد بأنه كناية عن ذهاب البصر.
ومعنى الآية (ثُمَّ تَوَلَّى) وأعرض يعقوب عليهالسلام (عَنْهُمْ) أي عن أبنائه بعد ما خاطبهم بقوله : بل سولت لكم أنفسكم أمرا (وَقالَ : يا أَسَفى) ويا حزني (عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ) وذهب بصره (مِنَ الْحُزْنِ) على يوسف (فَهُوَ كَظِيمٌ) حابس غيظه متجرع حزنه لا يتعرض لبنيه بشيء.
قوله تعالى : (قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ
__________________
(١) كذا في النسخة المنقولة عنها والصحيح ابو الحسن.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
