مِنَ الْهالِكِينَ) الحرض والحارض المشرف على الهلاك وقيل : هو الذي لا ميت فينسى ولا حي فيرجى ، والمعنى الأول أنسب بالنظر الى مقابلته الهلاك ، والحرض لا يئنى ولا يجمع لأنه مصدر.
والمعنى : نقسم بالله لا تزال تذكر يوسف وتديم ذكره منذ سنين لا تكف عنه حتى تشرف على الهلاك أو تهلك ، وظاهر قولهم هذا أنهم إنما قالوه رقة بحاله ورأفة به ، ولعلهم إنما تفوهوا به تبرّما ببكائه وسأمة من طول نياحه ليوسف ، وخاصة من جهة أنه كان يكذبهم في ما كانوا يدعونه من أمر يوسف ، وكان ظاهر بكائه وتأسفه أنه يكوهم كما ربما يؤيده قوله : (إِنَّما أَشْكُوا) الخ.
قوله تعالى : (قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) قال في المجمع : البث الهم الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثه أي يفرقه ، وكل شيء فرقته فقد بثثته ومنه قوله : (وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) انتهى فهو من المصدر بمعنى المفعول أي المبثوث.
والحصر الذي في قوله : (إِنَّما أَشْكُوا) الخ ؛ من قصر القلب فيكون مفاده أني لست أشكو بثي وحزني اليكم معاشر ولدي وأهلي ، ولو كنت أشكوه اليكم لأنقطع في أقل زمان كما يجري عليه دأب الناس في بثهم وحزنهم عند المصائب ، وإنما أشكو بثي وحزني الى الله سبحانه ، ولا يأخذه ملل ولا سأمة فيما يسأله عنه عباده ويبرمه أرباب الحوائج ويلحون عليه وأعلم من الله ما لا تعلمون فلست أيأس من روحه ولا أقنط من رحمته.
وفي قوله : (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) إشارة إجمالية الى علمه بالله لا يستفاد منه إلّا ما يساعد على فهمه المقام كما اشرنا اليه.
قوله تعالى : (يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) قال في المجمع :
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
