وفيها من عجيب الالتفات الالتفات من الخطاب الى الغيبة في قوله : (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) ـ الى قوله ـ (بِغَيْرِ الْحَقِ) ولعل النكتة فيه ارجاعهم الى الغيبة وتوجيه الخطاب الى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ووصف اعجب جزء من هذه القصة الموصوفة له ليسمعه ويتعجب منه ، ويكون فيه مع ذلك اعراض عن الامر بمخاطبتهم لأنهم لا يفقهون القول.
قوله تعالى : (فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) اصل البغي هو الطلب ويكثر استعماله في مورد الظلم لكونه طلبا لحق الغير بالتعدي عليه ويقيّد حينئذ بغير الحق ، ولو كان بمعنى الظلم محضا لكان القيد زائدا.
والجملة من تتمة الآية السابقة ، والمجموع اعني قوله : (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ـ الى قوله ـ (بِغَيْرِ الْحَقِ) بمنزلة الشاهد والمثال بالنسبة الى عموم قوله قبله : (وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ) الى آخر الآية ، او لخصوص قوله : (قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً) وعلى اي حال فقوله : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) الخ ؛ مما يتوقف عليه تمام الغرض من الكلام في الآية السابقة وان لم يكن من كلام النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فافهم ذلك.
قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ) الى آخر الآية ؛ في الكلام التفات من الغيبة الى الخطاب فقوله : (يا أَيُّهَا النَّاسُ) الخ ؛ خطاب منه تعالى للناس بلا واسطة ، وليس من كلام النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم مما امره الله سبحانه ان يخاطب به الناس.
والدليل على ذلك قوله تعالى : (ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ) الى آخر الآية ؛ فانه لا يصلح ان يكون من خطاب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم.
والنكتة في هذا الالتفات هي نظير النكتة التي قدّمنا ذكرها في قوله تعالى في اول الكلام : (إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ) فكأنه سبحانه يفاجئهم بالاطلاع عليهم اثناء ما يخاطبهم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وهم يحسبون ان ربهم غائب عنهم غافل عن نيّاتهم ومقاصدهم في اعمالهم
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
