نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الجاثية / ٢٩) على ما سيجيء من البيان في تفسير الآية ان شاء الله تعالى أن معنى كتابة الملائكة اعمال العباد هو اخراجهم الاعمال من كمون الاستعدادات الى مرحلة الفعلية الخارجية ورسم نفس الاعمال في صحيفة الكون وبذلك تنجلي عليّة كتابة الرسل لأعمالهم لكونه تعالى اسرع مكر اتمام الانجلاء فان حقيقة المعنى على هذا : أنّا نحن نخرج اعمالكم التي تمكرون بها من داخل ذواتكم ونضعها في الخارج فكيف يخفى علينا كونهم تريدون بنا المكر بذلك؟ وهل المكر إلّا صرف الغير عمّا يتصده بحيلة وستر عليه بل ذاك الذي تزعمونه مكرا بنا مكر منا بكم حيث نجعلكم تزعمونه مكرا وتقدمون على المكر بنا ، وهذه المزعمة والاقدام ضلال منكم وإضلال منا لكم جزاء بما كسبته ايديكم ، وسيأتي نظير هذا المعنى في قوله : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) الآية ٢٣ من السورة.
وفي الآية التفات من الغيبة الى الخطاب في قوله : (إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ) على قراءة تمكرون بتاء الخطاب وهي القراءة المشهورة ، وهو من عجيب الالتفات الواقع في القرآن ولعل النكتة فيه تمثيل معنى قوله : (قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً) في العين كأنه تعالى لمّا قال لنبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم (قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً) اراد ان يوضحه لهم عيانا ففاجأهم بتجليه لهم دفعة فكلّمهم وأوضح لهم السبب في كونه اسرع مكرا ثم حجبهم عن نفسه فعادوا الى غيبتهم وعاد الكلام الى حاله ، وخوطب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ببقية الخطاب (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ) الخ ؛ وهذا من لطيف الالتفات.
قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) الى آخر الآية ؛ الفلك السفينة وتستعمل مفردا وجمعا ، والمراد بها ههنا الجمع بدليل قوله : (وَجَرَيْنَ بِهِمْ) والريح العاصف : الشديدة الهبوب ، وقوله : (أُحِيطَ بِهِمْ) كناية عن الاشراف على الهلاك ، وتقديره احاط بهم البلاء او الامواج ، والاشارة بقوله : (مِنْ هذِهِ) الى الشدة. ومعنى الآية ظاهر.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
