بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ) (البقرة / ٢١٣) أن الآية تكشف عن نوعين من الاختلاف بين الناس.
أحدهما : الاختلاف من حيث المعاش وهو الذي يرجع الى الدعاوي وينقسم به الناس الى مدّع ومدّعى عليه وظالم ومظلوم ومتعدّ ومتعدّى عليه وآخذ بحقه وضائع حقه ، وهذا هو الذي رفعه الله سبحانه بوضع الدين وبعث النبيين وإنزال الكتاب معهم ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، ويعلّمهم معارف الدين ويواجههم بالإنذار والتبشير.
وثانيهما : الاختلاف في نفس الدين وما تضمنه الكتاب الإلهي من المعارف الحقة من الاصول والفروع ، وقد صرّح القرآن في مواضع من آياته أن هذا النوع من الاختلاف ينتهي الى علماء الكتاب بغيا بينهم ، وليس مما يقتضيه طباع الإنسان كالقسم الأول ، وبذلك ينقسم الطريق الى طريقي الهداية والضلال فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ، وقد ذكر سبحانه في مواضع من كلامه بعد ذكر هذا القسم من الاختلاف أنه لو لا قضاء من الله سبق لحكم بينهم فيما اختلفوا فيه ولكن يؤخرهم الى أجل ، قال تعالى (وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) (الشورى / ١٤) الى غير ذلك من الآيات.
وسياق الآية السابقة أعني قوله تعالى : (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) الخ ؛ لا يناسب من الاختلافين المذكورين إلّا الاختلاف الثاني وهو الاختلاف في نفس الدين لأنها تذكر ركوب الناس طريق الضلال بعبادتهم ما لا يضرّهم ولا ينفعهم واتخاذهم شفعاء عند الله ، ومقتضى ذلك أن يكون المراد من كون الناس سابقا أمة واحدة كونهم على دين واحد وهو دين التوحيد ثم اختلفوا فتفرقوا فريقين موحّد ومشرك.
فذكر الله فيها أن اختلافهم كان يقضي أن يحكم الله بينهم باظهار الحق على الباطل وفيه هلاك المبطلين وإنجاء المحقين لكن السابق من الكلمة الإلهية منعت من القضاء بينهم ، والكلمة
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
