الإلهي فالأقرب الى الحكمة والحزم في دعوتهم أن تبدأ بالإنذار ، ولهذا كله ربما حصر شأن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في الإنذار كما في قوله : (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) (فاطر / ٢٣) وقوله : (وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (العنكبوت / ٥٠).
هذا في عامة الناس وأما الخاصة من عباد الله ، وهم الذين يعبدونه حبا له لا خوفا من نار ولا طمعا في جنة فانهم يتلقون من الدعوة بالخوف والرجاء أمرا آخر فإنهم يتلقون من النار أنها دار بعد وسخط فيخافونها لذلك ، ومن الجنة أنها ساحة قرب ورضوان فيشتاقون اليها لذلك.
وظاهر قوله : (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) أنه خطاب لمشركي مكة أو لقريش أو للعرب عامة إلا أن التقابل بين ضمير الخطاب وبين من بلغ ـ والمراد بمن بلغ هو من لم يشافهه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بالدعوة في زمن حياته أو بعد ـ يدل على أن المراد بالمخاطبين في قوله : (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ) هم الذين شافههم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بالدعوة ممن تقدم دعاؤه على نزول الآية أو قارنه أو تأخر عنه.
فقوله : (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) يدل على عموم رسالته عليهالسلام بالقرآن لكل من سمعه منه أو سمعه من غيره الى يوم القيامة ، وإن شئت فقل : تدل الآية على كون القرآن الكريم حجة من الله وكتابا له ينطق بالحق على أهل الدنيا من لدن نزوله الى يوم القيامة.
وقد قيل : (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ) ولم يقل : لانذركم بقراءته فالقرآن حجة على من سمع لفظه وعرف معناه واهتدى الى مقاصده ، أو فسّر له لفظه وقرع سمعه بمضامينه فليس من شرط كتاب مكتوب الى قوم أن يكون بلسانهم بل أن تقوم عليهم حجته وتشملهم مضامينه ، وقد دعا صلىاللهعليهوآلهوسلم بكتابه الى مصر والحبشة والروم وإيران ولسانهم غير لسان القرآن ، وقد كان فيمن آمن به في حياته وقبل إيمانهم سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي وعدة من اليهود ولسانهم عبري هذا كله مما لا ريب فيه.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
