وقوله : (قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) على أنه يشتمل على إخباره صلىاللهعليهوآلهوسلم بشهادة الله تعالى هو بنفسه شهادة لمكان قوله : (قُلْ) اذ أمره بأن يخبرهم بشهادته تعالى بالنبوة لا ينفك عن الشهادة بذلك ، وعلى هذا فلا حاجة الى التشبث بأنواع ما وقع في القرآن الكريم من شهادة الله تعالى على نبوته صلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى نزول القرآن من عنده كقوله تعالى : (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) (المنافقون) أو قوله : (لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) (النساء / ١٦٦) وغير ذلك من الآيات الدالة على ذلك تصريحا أو تلويحا بلفظ الشهادة أو بغيره.
وتقييد شهادته تعالى بقوله : (بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) يدل على توسطه تعالى بين طرفين متخاصمين هما النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وقومه ، والنبي لم ينعزل عنهم ولم يتميز منهم في جانب إلا في دعوى النبوّة والرسالة ودعوى نزول القرآن لكن نزول القرآن بالوحي قد ذكر بعد في قوله : (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ) فالمراد بشهادته تعالى بينه وبينهم شهادته بنبوته ، ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية : (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ) على ما سيجيء إن شاء الله.
قوله تعالى : (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) من مقول القول وهو معطوف على قوله : (اللهُ شَهِيدٌ) الخ ؛ وجعل الإنذار غاية لنزول القرآن الكريم أخذ بمسلك الخوف في الدعوة النبوية ، وهو الأوقع في أفهام عامة الناس فإن مسلك الرجاء والوعد وإن كان أحد الطريقين في الدعوة ، وقد استعمله الكتاب العزيز في الجملة لكن رجاء الخير لا يبعث الى طلبه بعثا إلزاميا وإنما يورث شوقا ورغبة بخلاف الخوف لوجوب دفع الضرر المحتمل عقلا.
ولأن دعوة الإسلام إنما هي الى دين الفطرة ، وهو مخزون مكنوز في فطرة الناس وإنما حجبهم عنه ما ابتلوا به من الشرك والمعصية مما يوجب عليهم غلبة الشقوة ونزول السخط
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
