بيان :
قوله تعالى : (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أمر نبيه أن يسألهم عن أكبر الأشياء من حيث الشهادة ، والشهادة هي تحمّل الخبر عن نوع من العيان كالإبصار ونحوه ، وأداء ما تحمل كذلك بالإخبار والإنباء ، واذ كان التحمل والأداء ـ وخاصة التحمل ـ مما يختلف بحسب إدراك المتحملين وبحسب وضوح الخبر الذي تحمّله المتحمل ، وبحسب قوة المؤدي بيانا وضعفه اختلافا فاحشا.
فليس المتحمل الذي يغلب على مزاجه السهو والنسيان أو الغفلة كالذي يحفظ ما يعيه سمعه ويقع عليه بصره ، وليس الصاحي كالسكران ولا الخبير الأخصائي بأمر كالأجنبي الأعزل.
واذا كان الامر على ذلك فلا يقع ريب في أن الله سبحانه هو أكبر من كل شيء شهادة فإنه هو الذي أوجد كل ما دق وجل من الأشياء ، وإليه ينتهي كل أمر وخلق ، وهو المحيط بكل شيء ومع كل شيء لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر لا يضل ولا ينسى.
ولكون الأمر بينا لا يقع فيه شك لم يحتج الى إيراد الجواب في اللفظ بأن يقال : قل الله أكبر شهادة ، كما قيل : (قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ) (الأنعام / ١٢) أو يقال : سيقولون الله ، كما قيل : (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) (المؤمنون / ٨٥).
على أن قوله : (قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) يدل عليه ويسد مسده ، وليس من البعيد أن يكون قوله : (شَهِيدٌ) خبرا لمبتدء محذوف هو الضمير العائد الى الله ، والتقدير : «قل الله هو شهيد بيني وبينكم» فتشتمل الجملة على جواب السؤال وعلى ما استؤنف من الكلام.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
