إلهين من دون الله ، ولم ينفه بنفسه بل بنفي سببه مبالغة في التنزيه فلو قال : «لم أقل ذلك أولم أفعل» لكان فيه إيمان الى إمكان وقوعه منه لكنه لم يفعل ، لكن اذا نفاه بنفي سببه فقال : (ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) كان ذلك نفيا لما يتوقف عليه ذلك القول ، وهو أن يكون له أن يقول ذلك حقا فنفي هذا الحق نفي ما يتفرع عليه بنحو أبلغ نظير اذا قال المولى لعبده : لم فعلت ما لم آمرك أن تفعله؟ فإن أجاب العبد بقوله «لم أفعل» كان نفيا لما هو في مظنة الوقوع ، وإن قال : «أنا أعجز من ذلك» كان نفيا بنفي السبب وهو القدرة ، وإنكارا لأصل إمكانه فضلا عن الوقوع.
وقوله : (ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ) إن كان لفظ (يَكُونُ) ناقصة فاسمها قوله : (أَنْ أَقُولَ) وخبرها قوله : (لِي) واللام للملك ، والمعنى : ما أملك ما لم أملكه وليس من حقي القول بغير حق ، وإن كانت تامة فلفظ (لِي) متعلق بها وقوله : (أَنْ أَقُولَ) الخ ؛ فاعلها ، والمعنى : ما يقع لي القول بغير حق ، والأول من الوجهين أقرب ، وعلى أي حال يفيد الكلام نفي الفعل بنفي سببه.
وقوله عليهالسلام : (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) نفي آخر للقول المستفهم عنه لا نفيا لنفسه بنفسه بل بنفي لازمه فإن لازم وقوع هذا القول أن يعلم به الله لأنه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو القائم على كل نفس بما كسبت ، المحيط بكل شيء.
وهذا الكلام منه عليهالسلام يتضمن أولا فائدة إلقاء القول مع الدليل من غير أن يكتفي بالدعوى المجردة ؛ وثانيا الإشعار بأن الذي كان يعتبره في أفعاله وأقواله هو علم الله سبحانه من غير أن يعبأ بغيره من خلقه علموا أو جهلوا ، فلا شأن له معهم.
وبلفظ آخر السؤال إنما يصح طبعا في ما كان مظنة الجهل فيراد به نفي الجهل وإفادة العلم ، إما لنفس السائل اذا كان هو الجاهل بواقع الأمر ، أو لغيره اذا كان السائل عالما وأراد أن يعلم غيره بما يعلم هو من واقع الأمر كما يحمل عليه نوع السؤال الواقع في كلامه تعالى ، وقوله عليهالسلام
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
