في الجواب في مثل المقام (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) إرجاع للأمر الى علمه تعالى وإشعار أنه لا يعتبر شيئا في أفعاله وأقواله غير علمه تعالى.
ثم أشار بقوله (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ليكون تنزيها لعلمه تعالى عن مخالطة الجهل إياه ، وهو وإن كان ثناء أيضا في نفسه لكنه غير مقصود لأن المقام ليس بمقام الثناء بل مقام التبري عن انتساب ما نسب اليه.
فقوله عليهالسلام (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي) توضيح لنفوذ العلم الذي ذكره في قوله : (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) وبيان أن علمه تعالى بأعمالنا وهو الملك الحق يومئذ ليس من قبيل علم الملوك منا بأحوال رعيته بارتفاع أخبار المملكة إليه ليعلم بشيء ويجهل بشيء ، ويستحضر حال بعض ويغفل عن حال بعض ، بل هو سبحانه لطيف خبير بكل شيء ومنها نفس عيسى بن مريم بخصوصه.
ومع ذلك لم يستوف حق البيان في وصف علمه تعالى فإنه سبحانه يعلم كل شيء ، لا كعلم أحدنا بحال الآخر وعلم الآخر بحاله ، بل يعلم ما يعلم بالإحاطة به من غير أن يحيط به شيء ولا يحيطون به علما فهو تعالى إله غير محدود وكل من سواه محدود مقدر لا يتعدى طور نفسه المحدود ، ولذلك ضم عليهالسلام الى الجملة جملة اخرى فقال : (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ).
أما قوله : (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ففيه بيان العلة لقوله (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي) الخ ؛ وفيه استيفاء حق البيان من جهة اخرى وهو رفع توهم أن حكم العلم في قوله : (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) مقصور بما بينه وبين ربه لا يطرد في كل شيء فبين بقوله (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) أن العلم التام بجميع الغيوب منحصر فيه فما كان عند شيء من الأشياء وهو غيب عن غيره فهو معلوم لله سبحانه وهو محيط به.
ولازم ذلك أن لا يعلم شيء من الأشياء بغيبه تعالى ولا بغيب غيره الذي هو تعالى عالم به
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
