وقد توحد هذا الدعاء من بين جميع الأدعية والمسائل المحكية في القرآن عن الانبياء عليهمالسلام بأن صدر «باللهم ربنا» وغيره من أدعيتهم مصدر بلفظ «رب» أو «ربنا» وليس إلا لدقة المورد وهول المطلع ، نعم يوجد في أقسام الثناء المحكية نظير هذا التصدير كقوله : (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) (النمل / ٥٩) وقوله : (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ) (آل عمران / ٢٦) وقوله : (قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (الزمر / ٤٦).
ثم ذكر عليهالسلام عنوانا لهذه المائدة النازلة هو الغرض له ولأصحابه من سؤال نزولها وهو أن تنزل فتكون عيدا له ولجميع امته ، ولم يكن الحواريون ذكروا فيما اقترحوه أنهم يريدون عيدا يخصون به لكنه عليهالسلام عنون ما سأله بعنوان عام وقلبه في قالب حسن ليخرج عن كونه سؤالا للآية مع وجود آيات كبرى إلهية بين أيديهم وتحت مشاهدتهم ، ويكون سؤالا مرضيا عند الله غير مصادم لمقام العزة والكبرياء فإن العيد من شأنه أن يجمع الكلمة ، ويجدد حياة الملة ، وينشط نفوس العائدين ، ويعلن كلما عاد عظمة الدين.
ولذلك قال : (عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا) أي أول جماعتنا من الامة وآخر من يلحق بهم ـ على ما يدل عليه السياق ـ فإن العيد من العود ولا يكون عيدا إلا اذا عاد حينا بعد حين ، وفي الخلف بعد السلف من غير تحديد.
وهذا العيد مما اختص به قوم عيسى عليهالسلام كما اختصوا بنوع هذه الآية النازلة على ما تقدم بيانه.
وقوله : (وَآيَةً مِنْكَ) لما قدم مسألة العيد وهي مسألة حسنة جميلة لا عتاب عليها عقبها بكونها آية منه تعالى كأنه من الفائدة الزائدة المترتبة على الغرض الأصلي غير مقصودة وحدها حتى يتعلق بها عتاب أو سخط ، وإلا فلو كانت مقصودة وحدها من حيث كونها آية لم تخل مسألتها من نتيجة غير مطلوبة فإن جميع المزايا الحسنة التي كان يمكن أن يراد بها كانت ممكنة الحصول بالآيات المشهودة كل يوم منه عليهالسلام للحواريين
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
