الثاني : اطمئنان القلب وهو سكونه باندفاع الخطورات المنافية للخلوص والحضور.
والثالث : العلم بأنه عليهالسلام قد صدقهم فيما بلغهم عن ربه ، والمراد بالعلم حينئذ هو العلم اليقيني الذي يحصل في القلب بعد ارتفاع الخطورات والوساوس النفسانية عنه ، أو العلم بأنه قد صدقهم فيما وعدهم من ثمرات الإيمان كاستجابة الدعاء كما ذكره بعضهم ، لكن يبعده أن الحواريين ما كانوا يسألون إنزال المائدة من السماء إلا بدعاء عيسى عليهالسلام ومسألته ، وبالجملة بإعجاز منه عليهالسلام وقد كانوا رأوا منه عليهالسلام آيات كثيرة فإنه عليهالسلام لم يزل في حياته قرينا لآيات إلهية كبرى ، ولم يرسل الى قومه ولم يدعهم دعوة إلا مع آيات ربه فلم يزالوا يرون ثمرات إيمانه من استجابة الدعاء إن كان المراد الثمرة التي هي استجابة دعائه عليهالسلام ، وإن كان المراد الثمرة التي هي استجابة دعائهم أنفسهم فإنهم لم يسألوا نزول الآية بدعاء أنفسهم ، ولم تنزل إلا بدعاء عيسى عليهالسلام.
الرابع : أن يكونوا عليها من الشاهدين عندما يحتاج الى الشهادة كالشهادة عند المنكرين ، والشهادة عند الله يوم القيامة ، فالمراد بها مطلق الشهادة ، ويمكن أن يكون المراد مجرد الشهادة عند الله سبحانه كما وقع في بعض قولهم الذي حكاه الله تعالى اذ قال : (رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران / ٥٣).
فقد تحصل أنهم ـ فيما اعتذروا به ـ ضموا امورا جميلة مرضية الى غرضهم الآخر الذي هو الأكل من المائدة السماوية ليحسموا به مادة الحزازة عن اقتراحهم الآية بعد مشاهدة الآيات الكافية فأجابهم عيسى عليهالسلام الى مسألتهم بعد الإصرار.
قوله تعالى : (قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) خلط عليهالسلام نفسه بهم في سؤال المائدة ، وبدأ بنداء ربه بلفظ عام فقال (اللهُمَّ رَبَّنا) وقد كانوا قالوا له (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) ليوافق النداء الدعاء.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
