وأما على ما قدمناه من أن الأصل في مؤاخذتهم الذي يترتب عليه الوعيد الشديد في آخر الآيات هو أنهم سألوا آية حيث لا حاجة اليها واقترحوا بما في معنى العبث بآيات الله سبحانه ، ثم تعبيرهم بما يتبادر من ظاهره كونهم كأنهم لم يعقدوا قلبوهم على القدرة الربوبية فوجه توبيخه عليهالسلام لهم بقوله (اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أظهر.
قوله تعالى : (قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ) السياق ظاهر في أن قولهم هذا عذر اعتذروا به للتخلص من توبيخه عليهالسلام وما ذكروه ظاهر التعلق باقتراحهم الآية بنزول المائدة دون ما يظهر من قولهم : هل يستطيع ربك ان ينزل ، من المعنى الموهم للشك في إطلاق القدرة ، وهذا ايضا احد الشواهد على ان ملاك المؤاخذة في المقام هو انهم سألوا آية على آية من غير حاجة اليها.
وأما قولهم (نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها) الخ ؛ فقد عدوا في بيان غرضهم من اقتراح الآية امورا أربعة :
أحدها : الأكل وكأن مرادهم بذكره أنهم ما أرادوا به اللعب بآيات الله بل أرادوا أن يأكلوا منها ، وهو غرض عقلائي ، وقد تقدم أن هذا القول منهم كالتسليم لاستحقاقهم التوبيخ من عيسى عليهالسلام والوعيد الشديد من الله لمن يكفر منهم بآية المائدة.
وذكر بعضهم : أن المراد بذكر الأكل إبانة أنهم في حاجة شديدة الى الطعام ولا يجدون ما يسد حاجتهم. وذكر آخرون أن المراد : نريد أن نتبركه بأكله. وأنت تعلم أن المعنى الذي قرر في كل من هذين الوجهين أمر لا يدل عليه مجرد ذكر الأكل ، ولو كان مرادهم ذلك وهو أمر يدفع به التوبيخ لكان مقتضى مقام الاعتذار التصريح بذكره ، وحيث لم يذكر شيء من ذلك مع حاجة المقام الى ذكره لو كان مرادا فليس المراد بالأكل إلا مطلق معناه من حيث إنه غرض عقلائي هو أحد أجزاء غرضهم في اقتراح نزول المائدة.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
