مائِدَةً مِنَ السَّماءِ) بحسب ظاهر ما يتبادر من معناه مما يستعبد العقل صدوره عن الحواريين وهم أصحاب المسيح وتلامذته وأخصاؤه الملازمون له المقتبسون من أنوار علومه ومعارفه المتبعون آدابه وآثاره ، والإيمان بأدنى مراتبه ينبه الإنسان على أن الله سبحانه على كل شيء قدير ، ولا يجوز عليه العجز ولا يغلبه العجز ؛ فكيف جاز أن يستفهموا رسولهم عن استطاعة ربه على إنزال مائدة من السماء.
ولذلك قرأ الكسائي من السبعة (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) بتاء المضارعة ونصب (رَبُّكَ) على المفعولية أي هل تستطيع أنت أن تسأل ربك ، فحذف الفعل الناصب للمفعول واقيم «تستطيع» مقامه ، أو أنه مفعول لفعل محذوف فقط.
وقد اختلف المفسرون في توجيهه على بناء من أكثريهم على أن المراد به غير ما يتبادر من ظاهره من الشك في قدرة الله سبحانه لنزاهة ساحتهم من هذا الجهل السخيف.
وأوجه ما يمكن أن يقال هو أن الاستطاعة في الآية كناية عن اقتضاء المصلحة ووقوع الإذن كما أن الإمكان والقدرة والقوة يكنى بها عن ذلك كما يقال «لا يقدر الملك أن يصغي الى كل ذي حاجة» بمعنى أن مصلحة الملك تمنعه من ذلك وإلا فمطلق الإصغاء مقدور له ، ويقال «لا يستطيع الغني أن يعطي كل سائل» أي مصلحة حفظ المال لا تقتضيه ، ويقال «لا يمكن للعالم أن يبث كل ما يعلمه» أي يمنعه عن ذلك مصلحة الدين أو مصلحة الناس والنظام الدائر بينهم ، ويقول أحدنا لصاحبه «هل تستطيع أن تروح معي الى فلان»؟ وإنما السؤال عن الاستطاعة بحسب الحكمة والمصلحة لا بحسب أصل القدرة على الذهاب ، هذا.
قوله تعالى : (قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) توبيخ منه عليهالسلام لهم لما يشتمل عليه ظاهر كلامهم من الاستفهام عن استطاعة ربه على إنزال المائدة فإن كلامهم مريب على أي حال.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
