فلا ينبغي الارتياب في أن الآية لا تشارك الآيات السابقة عليها واللاحقة لها في سياقها ، ولا تتصل بها في سردها ، وإنما هي آية مفردة نزلت وحدها.
والآية تكشف عن أمر قد انزل على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم (إما مجموع الدين أو بعض أجزائه) وكان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يخاف الناس من تبليغه ويؤخره الى حين يناسبه ، ولو لا مخافته وإمساكه لم يحتج الى تهديده بقوله (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) كما وقع في آيات أول البعثة الخالية عن التهديد كقوله تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) الى آخر سورة العلق ، وقوله : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ) (المدثر / ٢) ، وقوله : (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) (حم السجدة / ٦) الى غير ذلك.
فهو صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يخافهم ولم يكن مخافته من نفسه في جنب الله سبحانه فهو أجل من أن يستنكف عن تفدية نفسه أو يبخل في شيء من أمر الله بمهجته فهذا شيء تكذبه سيرته الشريفة ومظاهر حياته ، على أن الله شهد في رسله على خلاف ذلك كما قال تعالى : (ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً)
(الأحزاب / ٣٩) ، وقد قال تعالى في أمثال هذه الفروض : (فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران / ١٧٥) ، وقد مدح الله سبحانه طائفة من عباده بأنهم لم يخشوا الناس في عين أن الناس خوفوهم فقال : (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران / ١٧٣).
وليس من الجائز أن يقال : إنه صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يخاف على نفسه أن يقتلوه فيبطل بذلك أثر الدعوة وينقطع دابرها فكان يعوقه الى حين ليس فيه هذه المفسدة فإن الله سبحانه يقول له صلىاللهعليهوآلهوسلم (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) (آل عمران / ١٢٨) ، لم يكن الله سبحانه يعجزه لو قتلوا النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يحيي دعوته بأي وسيلة من الوسائل شاء ، وبأي سبب أراد.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
