عجب.
فلو كانت الآية متصلة بما قبلها وما بعدها في سياق واحد في أمر أهل الكتاب لكان محصلها أمر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أشد الأمر بتبليغ ما أنزله الله سبحانه في أمر أهل الكتاب ، وتعين بحسب السياق أن المراد بما انزل إليه من ربه هو ما يأمره بتبليغه في قوله : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) الآية.
وسياق الآية يأباه فإن قوله : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) يدل على أن هذا الحكم المنزل المأمور بتبليغه أمر مهم فيه مخافة الخطر على نفس النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أو على دين الله تعالى من حيث نجاح تبليغه ، ولم يكن من شأن اليهود ولا النصارى في عهد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يتوجه اليه من ناحيتهم خطر يسوّغ له صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يمسك عن التبليغ أو يؤخره الى حين فيبلغ الأمر الى حيث يحتاج الى أن يعده الله بالعصمة منهم إن بلّغ ما امر به فيهم حتى في أوائل هجرته صلىاللهعليهوآلهوسلم الى المدينة وعنده حدة اليهود وشدتهم حتى انتهى الى وقائع خيبر وغيرها.
على أن الآية لا تتضمن أمرا شديدا ولا قولا حادا ، وقد تقدم عليه تبليغ ما هو أشدّ وأحدّ وأمرّ من ذلك على اليهود ، وقد أمر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بتبليغ ما هو أشد من ذلك كتبليغ التوحيد ونفي الوثنية الى كفار قريش ومشركي العرب وهم أغلظ جانبا وأشد بطشا وأسفك للدماء ، وأفتك من اليهود وسائر أهل الكتاب ، ولم يهدده الله في أمر تبليغهم ولا آمنه بالعصمة منهم.
على أن الآيات المتعرضة لحال أهل الكتاب معظم أجزاء سورة المائدة فهي نازلة فيها قطعا ، واليهود كانت عند نزول هذه السورة قد كسرت سورتهم ، وخمدت نيرانهم ، وشملتهم السخطة واللعنة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله فلا معنى لخوف رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم منهم في دين الله ، وقد دخلوا يومئذ في السلم في حظيرة الإسلام وقبلوا هم والنصارى الجزية ، ولا معنى لتقريره تعالى له خوفه منهم واضطرابه في تبليغ أمر الله اليهم ، وهو أمر قد بلّغ اليهم ما هو أعظم منه ، وقد وقف قبل هذا الموقف فيما هو أهول منه وأوحش.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
